تُعدّ المصادقة البرلمانية على مشروع قانون مهنة المحاماة محطةً أساسية في المسار التشريعي، غير أنّها لا تمثل نهايته، ولا تعني بالضرورة دخوله حيّز التنفيذ أو اكتسابه للقوة الإلزامية. فالقانون، وفق المنظومة الدستورية المغربية، يمر بعدة مراحل متكاملة تضمن مشروعيته الدستورية ونفاذه القانوني. فبعد استكمال مشروع قانون مهنة المحاماة لجميع مراحل المسطرة التشريعية داخل البرلمان، سواء بمجلس النواب أو مجلس المستشارين، ومع إمكانية إحالته، عند الاقتضاء، على المحكمة الدستورية للبت في مدى مطابقته لأحكام الدستور، طبقًا لمقتضيات الفصل 132 من الدستور، يُحال النص، عقب استيفاء كافة الشروط الدستورية، على جلالة الملك قصد إصداره بظهير شريف، وفق ما ينص عليه الفصل 50 من الدستور. ويُعدّ هذا الإصدار مرحلةً جوهرية، إذ يُضفي على القانون صفته الرسمية ويمنحه القوة القانونية من حيث المبدأ. غير أنّ نفاذه العملي وإلزاميته الفعلية يظلان مرتبطين بنشره في الجريدة الرسمية، باعتبار أن هذا النشر هو الذي يحقق مبدأ العلنية، ويُمكّن المخاطبين بالقانون من الاطلاع على مقتضياته والعلم بها، تكريسًا لمبدأ الأمن القانوني المنصوص عليه في الفصل 6 من الدستور. وعليه، لا يكون القانون ملزمًا ولا قابلًا للتطبيق إلا ابتداءً من تاريخ نشره، ما لم ينص صراحةً على خلاف ذلك. وخلاصة القول، وفي ظل ما يُلاحظ من تضييق أو إغلاق للقنوات التقليدية للتعبير والمساءلة، يظل اللجوء إلى ممارسة الحق الدستوري في تقديم عريضة أو تظلم إلى جلالة الملك خيارًا مشروعًا، بل وواجبًا مدنيًا، ينبع من الاحترام العميق لمبادئ الدولة الدستورية وسيادة القانون، واستنادًا إلى الدور الدستوري التحكيمي والضامن لجلالة الملك، كما هو منصوص عليه في الفصل 42 من الدستور. إن هذا الحق، المكفول بمقتضى الفصل 15 من دستور المملكة، والمفصل بموجب القانون التنظيمي رقم 44.14 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية، يُشكّل آليةً دستوريةً رصينة تُمكّن المحامين، وكافة المواطنات والمواطنين، من التعبير عن مطالبهم المشروعة، والدفاع عن حقوقهم المهنية والمدنية، ويجسد روح المشاركة المواطِنة والديمقراطية التشاركية التي يقوم عليها الدستور. وعليه، نؤكد على ضرورة احترام هذا الحق الدستوري وصونه من أي تضييق أو تحجيم، وندعو كافة الجهات المعنية إلى التفاعل الجاد والمسؤول مع ما يُرفع عبر هذه القنوات الدستورية، حمايةً لكرامة مهنة المحاماة، وصونًا لاستقلال مؤسساتها، وضمانًا لاستمرار مسار بناء دولة القانون والعدالة