العرائش أنفو ماريت فوس وُلد في بغداد، ويحمل ذاكرته الأولى معه أينما ذهب، ويقيم في سويسرا منذ عام 1999. فائق فنان له بصمته المميزة في الفن حصد العديد من الجوائز والتكريمات الدولية عن أعماله، من بينها الميدالية الفضية من الأكاديمية الإيطالية للفنون، إلى جانب شهادات تقدير متعددة، جاءت اعترافًا بخصوصية تجربته وفرادتها. وكما يقول دائمًا: (أنا ابن الشرق، ابن الشمس والضوء والألوان، ابن التاريخ وحكايات ألف ليلة وليلة. يرافقني شغفٌ لا يهدأ بالاكتشاف، أعشق الرسم ورائحة الألوان، وأجد في اللعب بها متعة لا تنتهي على سطح اللوحة؛ مرةً على القماش، وأخرى على الورق، وأحيانًا على الخشب. في طفولتي، وقفت طويلًا أمام تماثيل الطين والحجر التي نحتها أجدادي السومريون، تلك التي ما زالت تمدّني حتى اليوم بكنزٍ لا ينضب من الإلهام. رموزٌ قديمة لعالمٍ غابر، لكنه ما زال حيًا في الذاكرة. أضع طبقات اللون فوق بعضها، وأمنحها ملامح العتق، لأستحضر صورة زمنٍ سحيقٍ طال نسيان). س: هل يمكن أن تحدثنا قليلًا عن خلفيتك كفنان عراقي-سويسري؟ ج: أنا فنان عراقي–سويسري، أعيش بين ذاكرة بلدي الأم وأفق سويسرا الجديد. في عام 1999، حملني القدر إلى هذا البلد هربًا من قسوة نظامٍ قمعي، فوجدت هنا أكثر من أمان؛ وجدت حضنًا احتضنني واحتضن أولادي الثلاثة حفظهم الله لي : ليث، لبنى، ولؤي. امتنان قلبي لهذا الوطن لا يُقاس، فهو اليوم جزء من هويتي، وأفتخر بحملي لجنسيته. وجودي هنا أتاح لي أن ألمس ثقافات مختلفة، وأن أستنشق ألوانها وأشكالها، فكانت جسرًا غنيًا ألهم تجربتي الإبداعية ووسّع رؤيتي الفنية والإنسانية. س: في مسيرتك الدولية الطويلة والغنية بالمعارض، ما الذي منحك إحساسًا خاصًا وعميقًا بالرضا الشخصي؟ ج: نعم انا راضي عن نفسي، ولكن الرضى لا يعني الاكتفاء. فما زلت في حالة بحث دائم، أجرّب، وأخطئ، وأعيد الاكتشاف، وكأن اللوحة ما زالت تسبقني بخطوة. نعم، أنا سعيد بما وصلتُ إليه، لكن الطموح في داخلي لا يعرف التوقّف، وما زلت أؤمن بأن القادم يحمل أفقًا أوسع، إن شاء الله. إن وصول أعمالي إلى بلدان مختلفة حول العالم هو شهادة على أن اللوحة قادرة على السفر وحدها. الخصوصية ركنٌ أساسي في تجربتي، فكل عمل يولد مرة واحدة ولا يُعاد. ومن المحطات التي أعتز بها كثيرًا أن اسمي وأحد أعمالي أصبحا جزءًا من الذاكرة الثقافية أو الكنز الثقافي لمدينة لوزان السويسرية، مدينةٍ تسكن القلب بقدر ما أسكنها. س: نلاحظ في أعمالك مزيجًا بين الحداثة والعصور القديمة. ما دور الإرث الرافديني في فنك؟ ج: انتمائي إلى العراق هو فخرٌ كبير، فهو بلدٌ تمتد حضارته إلى أعماق التاريخ، حضارةٌ قدّمت الكثير للإنسانية وأسهمت في تأسيس الكتابة والموسيقى والفن والقانون. هذا الإرث الرافديني العميق يشكّل بالنسبة لي مصدر إلهام لا ينضب، وحضورًا دائمًا في عملي الفني. إنّه تاريخ حيّ يتسلل إلى لوحاتي، ويؤثّر في رؤيتي من خلال مزجٍ متناغم بين الرموز القديمة واللغة البصرية المعاصرة، ليبقى الماضي متجددًا، ويواصل حديثه مع الحاضر. س: حياتك تبدو حافلة بالنشاط مع عدة معارض سنويًا. هل تخبرنا أكثر عن مشاريعك الجديدة؟ ج: لقد أنجزت حتى الآن 32 معرضًا فنيًا فرديًا في دول مختلفة حول العالم، وكانت سويسرا من أبرز محطات الاستضافة. حاليًا أستعد لمعرض جديد من المقرر إقامته في دار الأوبرا المصرية. مؤخرًا أنهيت لوحة كبيرة بمقاس مترين × مترين، كانت هدية من جمهورية العراق إلى الأممالمتحدة في جنيف. شعور عميق من السعادة والفخر يملأني لأنني أمثل بلدي في صرح دولي مهم، وأن لوحتي تحمل رسالة ثقافية وفنية تتجاوز الحدود. س: بلدك العراق مرّ بتحديات كبيرة خلال الأربعين سنة الماضية. ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الفن في "العراق الجديد؟ ج: من خلال فني ومعارضي، أسعى إلى فتح حوارات عميقة مع الجمهور حول طبيعة أعمالي وتاريخ العراق العريق. وهذا يقود بطبيعة الحال إلى نقاشات حول الحروب والتحديات التي مر بها العراق، وكذلك واقعه السياسي الحالي. أرى نفسي سفيرًا للحب والسلام للعراق، أسعى لتوضيح الصورة وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي روّجت لها بعض وسائل الإعلام المنحازة أو المغرضة. أنا متفائل بتعافي العراق وتقدّمه السريع. س: أخيرًا، ماذا تقول في نهاية الحوار؟ ج: أقول شكرًا من القلب على هذه الفرصة العظيمة التي منحتني مساحة للحديث عن تجربتي ورحلتي الفنية. أنا ممتنّ لكم، وللاهتمام الصادق، ولكل من يقترب من الفن بوصفه لغة إنسانية تجمعنا قبل أي شيء. .