قال حقوقيون وجمعويون مغاربة إن الفيضانات التي تجتاح مدينة القصر الكبير ونواحيها أعادت إلى الواجهة ضرورة تسريع إحداث منصات المخزون والاحتياطات الأولية على المستوى الجهوي، باعتبارها آلية استراتيجية تجسد "النموذج المغربي في الصمود والنشر السريع لعمليات الإغاثة في حالة وقوع كوارث" وتُعزّز "الجاهزية والاستجابة الفورية لمختلف الطوارئ الطبيعية". كما شدد الفاعلون على ضرورة الانطلاق من هذه التجربة لتعزيزها وتطويرها، على ضوء بعض "التحديات والإكراهات" التي يمكن أن تصير "بنيوية" في ارتباطها بتدبير هذا المخزون الاستراتيجي، والحاجة إلى "اعتماد مقاربة أكثر دينامية ومرونة تضمن الجاهزية الفعلية وسرعة التدخل في الساعات الأولى الحاسمة التي تلي وقوع الكوارث". وأشرف الملك محمد السادس، مرفوقا بولي العهد الأمير الحسن، في ماي 2025 بجماعة عامر (عمالة سلا)، على إعطاء انطلاقة أشغال منصة جهة الرباط- سلا- القنيطرة؛ وهو مشروع يتطلع إلى إحداث منصة كبرى للمخزون والاحتياطات الأولية (خيام، أغطية، أسرة، أدوية، ومواد غذائية...) في كل جهة من جهات المملكة، من أجل مواجهة الكوارث (فيضانات، زلازل، ومخاطر كيماوية، وصناعية أو إشعاعية) بشكل فوري. "تفعيل مستعجل وطنيا" قالت إلهام بلفحيلي، الكاتبة العامة للشبكة المغربية للتحالف المدني للشباب، إن "إحداث منصات للمخزون الاستراتيجي يعكس رؤية استشرافية واضحة لمواجهة المخاطر المستقبلية"، مؤكدة أن "المغرب راكم تجارب مهمة في تدبير الكوارث الطبيعية، أظهرت في بعض مراحلها وجود صعوبات مرتبطة بعدم الجاهزية الكاملة"، كما أن "إرساء مخزون استراتيجي على مستوى كل جهة يندرج ضمن مسار وقائي ضروري لتعزيز الاستعداد والتحسب لأي طارئ محتمل". وشددت بلفحيلي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، على أن "ما تشهده مناطق شمال المغرب، وخصوصا القصر الكبير، يبرز محدودية التنزيل الفعلي والشامل لهذه المنصات"، داعية إلى "التعجيل بتفعيل هذه المبادرة الملكية على مستوى جميع الجهات". وتابعت الكاتبة العامة للشبكة المغربية للتحالف المدني للشباب: "المغرب أصبح عرضة لتحديات مناخية متزايدة، تشمل الجفاف والفيضانات، وقد تمتد مستقبلا إلى مخاطر أخرى كالزلازل أو موجات المدّ البحري؛ ما يفرض تعبئة شاملة لتوفير مخزون استراتيجي كافٍ لحماية الساكنة". وأضافت المتحدثة عينها أن "هذه التجارب تُحمّل مختلف المتدخلين، من سلطات عمومية ومنتخبين، مسؤولية مضاعفة في تعبئة الموارد والإمكانات لضمان أمن المواطنين والمواطنات في حالات الطوارئ"، مؤكدة أن "التعليمات الملكية في هذا الشأن واضحة وصريحة"، وشددت على "ضرورة محاسبة كل من يتقاعس عن تنفيذها، لكون الأمر يتعلق بأرواح الناس وممتلكاتهم". وأبرزت الفاعلة الحقوقية والجمعوية أن "التعبئة الشاملة للسلطات، وبتعليمات ملكية، مكّنت، إلى حدود الساعة، من السيطرة على تداعيات هذه الكارثة"، معتبرة أن "التدخلات الميدانية كانت ناجعة وفعالة". وفي هذا الصدد، أشارت إلى أن "جهة الرباط–سلا–القنيطرة تُظهر مستوى مهما من الجاهزية، مع حضور قوي للسلطات وتعامل مدني يحترم كرامة المتضررين، رغم صعوبة بعض المشاهد المرتبطة بالفيضانات، خاصة في القصر الكبير". ودعت إلهام بلفحيلي إلى "إرساء آليات دائمة للتتبع والتقييم تضمن نجاعة تنزيل هذه المنصات على أرض الواقع، مع تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، من سلطات ترابية ومصالح خارجية ومجتمع مدني"، مؤكدة أن "الاستثمار في الوقاية والتخطيط الاستباقي يظل أقل كلفة بكثير من تدبير الأزمات بعد وقوعها"، ومشيرة إلى أن تعزيز ثقافة الاستعداد للكوارث يجب أن يشكل أولوية وطنية تُدمج فيها المقاربة الحقوقية والبعد الإنساني، بما يضمن حماية الفئات الهشة وتقوية ثقة المواطنين في المؤسسات. مقاربة أكثر مرونة من جانبه، قال عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، بداية، إنه "يجدر التذكير بأن الكوارث الطارئة التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، من قبيل زلزال الحوز وفيضانات القصر الكبير وغيرها، كشفت عن ثلاث حقائق أساسية لا يمكن تجاهلها؛ أولاها أن الفارق الزمني بين وقوع الكارثة ووصول أولى عمليات الإغاثة يظل عاملا حاسما في تقليص الخسائر البشرية والمادية". وأضاف الخضري، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن "الاعتماد على سلاسل التزويد العادية، القائمة على الشراء بعد وقوع الكارثة ونقل الإمدادات من جهات بعيدة، يثبت في الغالب بطئه وهشاشته أمام حالات الطوارئ الكبرى"، مبرزا أن "الكوارث الطبيعية لم تعد أحداثا استثنائية؛ بل أصبحت سيناريوهات متكررة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي يعرفها العالم، والمغرب ليس بمعزل عنها". وانطلاقا من هذا التشخيص، اعتبر رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان أن "مبادرة إحداث منصات جهوية للمخزون والاحتياطات الأولية تظهر ليس باعتبارها ردة فعل ظرفية؛ بل كاختيار استراتيجي يروم الانتقال من منطق التدخل الارتجالي إلى منطق الجاهزية المسبقة، وتعزيز سرعة وفعالية الاستجابة في الساعات الأولى الحاسمة التي تلي الكوارث"، موردا أن "هذه المقاربة، ومن زاوية تدبير المخاطر، تظل بدورها محفوفة بجملة من التحديات البنيوية". وتطرق الفاعل الحقوقي ذاته إلى "مخاطر التلف والهدر، خاصة ما يتعلق بالمواد الغذائية ذات آجال الصلاحية المحدودة، والخيام والأغطية التي تتدهور جودتها مع الزمن والرطوبة، إضافة إلى المعدات اللوجستية والطبية التي تتطلب صيانة دورية دقيقة، وإلا فقدت صلاحيتها في لحظة الحاجة الفعلية إليها"، لافتا إلى أن "كلفة التخزين والتجديد التي تطرح تحديا حقيقيا؛ لأن التخزين لا ينتهي عند تشييد المستودعات، بل يبدأ بعدها، بما يستلزمه من موارد بشرية مؤهلة وأنظمة لوجستية مستمرة وحكامة صارمة قائمة على الشفافية والتتبع والمراقبة الدورية". وتابع المتحدث: "في حال عدم الانتباه إلى هذه الإكراهات، قد نسقط فيما يمكن تسميته ب'فخ المخزون الوهمي'، أي توفر بنايات ضخمة ومجهزة، لكن بمحتويات منتهية الصلاحية، أو غير ملائمة لطبيعة الكوارث المحتملة، أو غير قابلة للتعبئة السريعة عند الطوارئ؛ وهو ما قد يُفرغ الفكرة من مضمونها العملي"، مفيدا أنه "أمام كوارث باتت دورية ومركبة، يبدو من الضروري التفكير في مقاربة أكثر دينامية ومرونة". واعتبر عبد الإله الخضري أن هذه المقاربة "تقوم على نماذج هجينة تجمع بين التخزين الاستراتيجي والتدبير الذكي للمخزون، من خلال آليات تدوير المواد بدل تجميدها، كإعادة توجيه المواد الغذائية بشكل منتظم نحو المدارس والمستشفيات والمؤسسات الاجتماعية، وتعويضها باستمرار بمخزون جديد"، مشيرا إلى "إمكانية تعزيز هذه المنصات بأنظمة ديناميكية قائمة على اتفاقيات مسبقة مع المنتجين المحليين وسلاسل التوزيع الكبرى ومصانع الأدوية والمعدات، بما يسمح بتعبئة الموارد في آجال وجيزة دون الاعتماد الكلي على التخزين طويل الأمد".