ليس كلّ انسحاب سياسي يُعلن ببلاغ، ولا كل تراجع يُقاس بعدد المقاعد أو حجم الخسارات الانتخابية. أحيانًا، يحدث الانكفاء بهدوء لافت، بلا ضجيج ولا صدام، كأنه اختيار واعٍ لتقليص الحضور بدل المجازفة بالمواجهة. هنا بالضبط يولد ما يمكن تسميته ب"الانكفاء السياسي النّاعم". هو ذلك السّلوك الذي تتبناه نخب أو فاعلون حين يشعرون بأن شروط الفعل لم تعد مواتية، فيكتفون بإدارة الحدّ الأدنى من الوجود، ويؤجّلون الأسئلة الكبرى إلى زمن لاحق. لا استقالة جماعية، ولا مراجعات فكرية معلنة، بل صمت محسوب، وخطاب رمادي، وحضور باهت في القضايا المفصلية. في الظّاهر، يبدو هذا الانكفاء ضربا من التّعقل السياسي وتجنبا للمغامرة. لكنه في العمق، يحمل دلالات أعمق: أزمة ثقة بين الفاعل وقاعدته، ارتباك في الرؤية، أو شعور بأن اللّعبة تُدار بقواعد لا تسمح بالمبادرة ولا تكافئ الجرأة. وهنا يصبح الصّمت أداة دفاع، لا خيارا استراتيجيا. يظهر التاريخ السياسي القريب في بلاد المغرب أن أخطر لحظات التّراجع ليست تلك التي تُسجَّل في صناديق الاقتراع، بل التي تقع قبلها: حين يفقد الخطاب حرارته، وتغيب الجرأة عن المواقف، ويتحوّل الفعل السّياسي إلى مجرّد تدبير يومي بلا أفق. عندها، لا يعود السّؤال: من يقرّر؟ بل: من يجرؤ على أن يقترح؟ غير أن الانكفاء النّاعم لا يخلو من الدروس. أوّلها أن السّياسة لا تحتمل الفراغ طويلا؛ فما إن ينسحب فاعل حتى يملأ آخر المساحة، ولو بأدوات أقلّ نضجا أو خطاب أكثر شعبوية. وثانيها أن تأجيل المراجعة الفكرية لا يلغي ضرورتها، بل يراكم كلفتها. أما الدّرس الأهمّ، فهو أن الشّرعية لا تُحفظ بالصّمت، بل تُجدَّد بالوضوح، حتى في لحظات الضّعف. في الحصاد، قد يكون الانكفاء خيارا مؤقتا، لكنّه إن طال، تحوّل من تكتيك إلى قدر. والسّياسة، في جوهرها، لا تكافئ من يكتفي بالبقاء في المنطقة الآمنة، بل من يملك شجاعة السّؤال، حتّى عندما تكون الأجوبة مؤلمة.