من نص قادم. العرائش أنفو عبدالنومزين الآن عرفت.. كان لا بد لي أن أعرف ما تعنيه أن تخطئك الغارة. وعرفت طبعا، لكن بعد ماذا. لا يحيا المرء بعد غارة أخطأته.. يصير دوما من مخلفاتها. تماما كما الأشلاء التي تناثرت بالجوار، أو فوق الخراب الذي حل في لمح البصر كدهشة الأمكنة في حلة الخراب الجديدة. كيف سيكون لي إعادة ترميم كل اللغة التي تناثرت، كي أكتب هذا الذي غدا شكلا جديدا غير منتظر، ليعم كل شيء. وحدها الشظايا تكتبنا، تراتيل لأبجدية الأحزان، وتركز نصلا في ذاكرة الآتي من الأزمان. كيف لي أن ألبس شكل الأمكنة؟ كيف لي أن أهب لتيسوكا كل أوسمتي؟" عندما أفلتُّ من دوامة تلك الكلمات، وعدت إلى زمن محطة أوسترليتز، نازحة من زمن ذلك النص، كان قد اختفى. كنت قد تركته أمامي قبل الغوص والغرق في تلك الدوامة التي ألقت بي إلى الأعماق في البعيد. لم أجده هناك حيث تركته. رجعت إلى حيث كان. لم أجد إلا ذلك المقعد، فارغا إلا من عزلة العابرين في عجلة، هناك في محطة أوسترليتز. لم أكن أعرف على وجه التحديد لماذا عدت إلى ذلك المقعد أبحث عنه. أكنت أبحث عنه هو أم كنت أبحث عن بقية باقية من تلك الكلمات التي اشتريتها بتلك الورقة النقدية. كنت كأني أحسبها كلمات لي. كلمات كتبت لي أنا كي تقول ما لم أستطع أنا نفسي البوح به. بدت تلك الكلمات كأنها ذلك الصوت الذي طالما سمعته ولم أكن أدري كنهه، تجسد لي، ذلك اليوم العابر في محطة أوسترليتز، نشيدا جديدا لعزلتي وطنينا يصلني، من ذلك البعيد، هزيمَ انكساراتي. " كيف لي أن أرتب في مقلتيها صور أشلائي، أو معنى معركتي؟ كيف أفتش في شفتيها عن حفريات شوق، وذاكرة تمنعت على النسيان، وحنين قبلة تشظت على شفتَي، وحنايا ذاكرة، على الآفاق تناثرت، شظايا أوطان، يلهو بها البركان. " هكذا قال ذلك العابر الذي امتصه هواء محطة أوسترليتز. امتصه في لحظة غوص وغرق. من يكون ذاك الذي وقَّع على مثل تلك الدوامة من الكلمات. ع. تيسوكا. هكذا كان توقيع ذلك النص. لم أستطع تصنيفه. أكان شعرا أم صرخة. نثرا كان أم وجعا. أكان لحنا أم هزيم انكسار. بحثت طويلا هناك في محطة أوسترليتز عن طيف لتلك الفروة الفوضوية، ولما لم أجد أثرا لطيف هناك، غادرت إلى شاتلي مشيا على الأقدام. عرجت على مركز الدار الحمراء . كان قد تناهى إلي خبر وجود بعض الوثائق لغرب المتوسط هناك، قبل أن أصل رفقة نهر السين إلى جسر نوطردام . [[