العرائش أنفو في اللحظات الدقيقة من تاريخ الأمم، لا تكون الكلمة ترفًا، ولا يصبح الموقف مجرد تعبير سياسي عابر، بل يتحولان إلى اختبار حقيقي لعمق الوعي الوطني وقدرته على التمييز بين ما هو حزبي ظرفي، وما هو سيادي استراتيجي. وفي خضم الجدل الذي أثير عقب تصريحات الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، السيد عبد الإله بنكيران، بخصوص مشاركة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، السيد ناصر بوريطة، في اجتماع مجلس السلام الذي ترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تبرز الحاجة إلى إعادة الأمور إلى ميزانها الدستوري والسياسي الصحيح. من حق الفاعلين السياسيين أن يختلفوا، وأن يعبروا عن مواقفهم من القضايا الدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تسكن وجدان المغاربة جميعًا. لكن السياسة الخارجية ليست مجالاً للاجتهاد الحزبي المنفصل عن مؤسسات الدولة، بل هي اختصاص سيادي ترسم معالمه القيادة العليا للبلاد، ويضطلع بتنفيذه الجهاز الدبلوماسي في إطار من الانسجام الكامل مع التوجيهات الملكية السامية. إن وزير الخارجية لا يتحرك بصفته الشخصية، ولا يعكس رأيًا فرديًا، بل يجسد موقف الدولة المغربية كما تحدده المؤسسة الملكية، باعتبارها المرجعية الدستورية في رسم الخيارات الكبرى للسياسة الخارجية. وأي قراءة منصفة لهذا المعطى تدرك أن حضور السيد ناصر بوريطة في أي محفل دولي هو تعبير عن رؤية الدولة، لا عن مبادرة ذاتية قابلة للمزايدة أو التأويل السياسي الضيق. لقد اختار المغرب، بقيادته، أن يكون فاعلاً في مساحات الحوار الدولي، لا أن ينسحب إلى هامش الأحداث. واختار أن يرفع صوته ضد خطاب الكراهية، وأن يدعو إلى ترسيخ قيم التسامح والتعايش حتى في أكثر الملفات حساسية. وهذه المقاربة لا تعني التنازل عن الثوابت، ولا التفريط في دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بل تعكس قناعة راسخة بأن العمل الدبلوماسي الهادئ والمتوازن هو السبيل الأنجع لخدمة القضايا العادلة في عالم تحكمه موازين القوى وتعقيدات المصالح. المغرب لم يكن يومًا بعيدًا عن فلسطين، قيادة وشعبًا. ودعمه للقضية الفلسطينية ثابت في المواقف والمبادرات. غير أن هذا الثبات لا يتعارض مع الانخراط في مبادرات دولية تروم الحد من التصعيد، أو مواجهة خطاب الكراهية الذي يهدد بتأجيج الصراعات وتحويلها إلى مواجهات دينية مفتوحة لا تخدم أحدًا. إن النقد السياسي، حين يكون مسؤولاً، يُغني النقاش ويقوي المؤسسات. لكن حين يتحول إلى تشكيك في شرعية التحرك الدبلوماسي أو إلى تصوير الأمر وكأنه خروج عن الثوابت، فإنه قد يسيء من حيث لا يقصد إلى صورة الدولة في الخارج، ويعطي انطباعًا بوجود ارتباك داخلي في قضايا يفترض أن تكون محل إجماع وطني. المرحلة التي نعيشها اليوم دقيقة، إقليميًا ودوليًا. والمغرب، بما يمثله من ثقل سياسي وروحي، مطالب بأن يحافظ على تماسك خطابه ووحدة موقفه. فالدولة أكبر من الأحزاب، والمصلحة العليا للوطن أوسع من كل الحسابات السياسية الآنية. والخلاف، مهما كان مشروعًا، يجب أن يظل محكومًا بسقف المسؤولية الوطنية واحترام المؤسسات. إن الرسالة التي ينبغي أن تسود اليوم ليست رسالة تجاذب، بل رسالة تماسك. ليست رسالة تخندق، بل رسالة التفاف حول الثوابت. فحين تتحدث الدولة في قضايا السيادة، يجب أن يكون صوتها واحدًا، حتى وإن تعددت القراءات داخل المشهد الحزبي. لقد أثبتت التجربة المغربية أن الاعتدال قوة، وأن الحكمة ليست ضعفًا، وأن العمل الهادئ في الكواليس قد يكون أبلغ أثرًا من الخطابات المرتفعة. ومن هذا المنطلق، فإن إنصاف الدبلوماسية المغربية اليوم هو إنصاف لخيار الدولة في الحفاظ على توازنها، وحماية مصالحها، والدفاع عن قضاياها العادلة بأدوات السياسة الرشيدة لا بردود الفعل الانفعالية. وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: ماذا يخدم المغرب أكثر في هذه اللحظة؟ تصعيد السجال الداخلي، أم تعزيز صورة الدولة الموحدة الواثقة من خياراتها؟ الجواب واضح لمن يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فالمغرب، بقيادته ومؤسساته، سيظل أقوى بوحدته، وأرفع حين تتقدم المصلحة الوطنية على كل حساب.