أمين أحرشيون يواجه المشهد الديني والاجتماعي في إسبانيا تحولات عميقة تتجاوز حدود الجغرافيا، حيث لم تعد أصداء الصراعات في الشرق الأوسط مجرد أخبار عابرة، بل أصبحت محركاً لتيارات جديدة داخل الجاليات المسلمة. فبعد مقتل المرشد العام للجمهورية الإيرانية في غارة أمريكية إسرائيلية، انفجر سيل من الخطابات المتشددة عبر منصات التواصل الاجتماعي، يقودها رجال دين يطالبون بالانتقام ويدعون لرفض كل مسارات السلام التي تم التشاور حولها مؤخراً. هذا التصعيد الرقمي وجد صدىً غير متوقع في بعض الأوساط داخل إسبانيا، وتحديداً بين فئات من المهاجرين المغاربة الذين بدأت خيوط انتمائهم للمذهب الشيعي تبرز بشكل لافت للنظر. إن المتأمل في خارطة الجمعيات الدينية الإسبانية يلحظ بوضوح كيف بدأت هذه المجموعات في ترسيخ أقدامها، مستغلة القوانين التي تسمح بحرية الاعتقاد والتنظيم لتأسيس مراكز تصبغ نشاطها بصبغة ثقافية أو خيرية في الظاهر، بينما تحمل في باطنها أيديولوجيا سياسية عابرة للحدود. ولا يتوقف الأمر عند حدود العبادة، بل يمتد ليشمل محاولات تغيير الهوية المذهبية للمهاجر المغربي، الذي كان يُعرف تاريخياً بوسطيته وارتباطه بالمذهب المالكي. هذا التغلغل الهادئ يعتمد بشكل كبير على شبكات تمويل معقدة ودعم لوجستي يهدف إلى خلق قاعدة شعبية تدين بالولاء لجهات خارجية قررت بوضوح أنه لا مجال للسلام في المنطقة في الوقت الراهن. ومع تزايد حدة التحريض على "الانتقام للمرشد"، تصبح هذه الجمعيات تحت مجهر الرقابة، ليس فقط من الجانب الأمني، بل ومن جانب المجتمع المدني الذي يخشى من تحول هذه الكيانات إلى أدوات لتنفيذ أجندات سياسية تهدد السلم الأهلي. إن الخطورة تكمن في أن الشاب المهاجر، الذي يبحث عن انتماء في بلاد الغربة، قد يجد نفسه فجأة وقوداً لصراع لا ناقة له فيه ولا جمل، مساقاً بخطاب ديني عاطفي يلغي العقل ويقدس الصدام. وفي ظل هذا الاستقطاب الحاد، تبرز ضرورة التعامل بجدية وحكمة من قبل الدولتين الإسبانية والمغربية، لمواجهة تلك الخيوط التي تحاول زرع نفوذها في عمق الشباب، حمايةً للأمن الفكري ولضمان بقاء بيوت العبادة واحات للسلام لا خنادق للسياسة.