على قمم جبال مرنيسة الشاهقة التي تناطح السحاب علوا وذل الفقر دنوا، يعيش رجال سطروا بعزمهم أروع البطولات على جبين التاريخ ، وأرغموا بثباتهم المستعمر على العودة من حيث أتى، لفهم النسيان وآثروا الصمت ذهابا بكرامتهم أن تمتهن في زمن يتهافت فيه الناس على بطائق المقاومة .. عمي "أحمد" واحد من هؤلاء، لم أحس بمصاب الأمة فيه إلا عندما افتقدت كلماته الحكيمة حين رجعت من منزل والدي بعد العطلة، فقد مات دون أن يكتب عنه التاريخ حرفا واحدا، عرفته في الأيام الأولى لالتحاقي بمدرسة "المخفية" وتوطدت بيننا أواصر الصداقة فيما بعد، يدعوني لبيته بين الفينة والأخرى فنتجاذب أطراف الحديث… حين وثق بي أطلعني على الكثير من أسراره، عاش الرجل حياة حافلة بالمصاعب والمآسي، قاتل على أكثر من جبهة، وتجرع ذل الأسر لسنوات، وفي أواخر أيام حياته أسر لي بأنه لم يعش قط غبنا كالذي عاشه على أرض وطنه بعد تحريره. في مستهل شبابه كان عمي احمد "مجندا" في صفوف الجيش الفرنسي، وبفطرته أدرك أن في ذلك خيانة عظيمة لأمته، فقرر القيام بعمليات فدائية فردية، كان يغادر الثكنة ليلا لاغتيال المستعمرين، وذات ليلة اشتبك مع زمرة من المحتلين بمفرده في ملهى ليلي، قوته الجسدية الخارقة كانت تثير الرعب، فقد تمكن من قتل أحدهم بلكمة واحدة، فاستخدموا الرصاص لإيقافه، أصيب في كتفه بعيار ناري، فتحامل على نفسه وقاومهم إلى أن تمكن من الفرار، بعد ساعات من الركض وجد نفسه أمام أحد الكهوف، فاختبأ فيه ريثما يخف عنه الطلب، إلا أن أعداءه استعملوا كلبا مدربا في اقتفاء أثره، فاهتدوا إلى مكانه، حين ولج الكلب الكهف عليه، تحسسه عمي أحمد بيده إلى أن أمسك بالطوق المحيط برقبته فجذبه بعنف ووجه له لكمة قوية حطمت أسنانه. تعالى نباح الكلب على نحو غير طبعي، ممزقا سكون الليل، فأطلق الجنود الرصاص بشكل عشوائي من رشاشاتهم، واستخدموا مكبرا للصوت ليطلبوا منه تسليم نفسه، وفعلا استسلم عمي "أحمد" ليبدأ رحلة جديدة في أقبية التعذيب انتهت بالحكم عليه بالإعدام، وقد أكبر أعداؤه شجاعته فضنوا بعنقه على حبل المشنقة، وخيروه بين الالتحاق بصفوف القوات الفرنسية في حربها ضد النازيين وبين مواجهة الموت على نحو ما ذكر لي.. يروي عمي أحمد بأسى كبير حكاية قتاله للنازيين، لم يكن يقاتل هذه المرة دفاعا عن وطنه ولكنه فعل ذلك حفاظا على حياته وكفى، الفرنسيون دفعوا به نحو الخطوط الأمامية للمواجهة فكان أن وقع في الأسر، حيث قضى سنوات مريرة في معسكرات الاعتقال الألماني، حين أفرج عنه في إحدى اتفاقيات تبادل الأسرى عاد إلى وطنه ولم يتحرر بعد، برصيد هائل من الأوسمة التي تشهد على أنه رجل من طينة نادرة، لم يستسغ الأسد الهصور البقاء مكتوف الأيدي، فانخرط في صفوف جيش التحرير، قاتل إلى جانب أسماء خلدها التاريخ كالمسعيدي والصنهاجي وغيرهما، وأخبرني أنه كان ينقل الطعام للمقاومين عبر مسالك لا تقوى البهائم على السير فيها، وبعد حصول المغرب على استقلاله آثر العزلة ، كان يبكي وهو يرى أبطال معركة التحرير يصفون تباعا بأيدي أناس لم تنزف من دمائهم قطرة واحدة في مقاومة الاحتلال، قال لي ذات ليلة.. الكثير من أبناء الخونة الذين درسوا في فرنسا تقلدوا مناصب عليا بعد الاستقلال، والكثير من الأشخاص الذين وصفهم التاريخ بأنهم أبطال التحرير كانوا في حقيقة الأمر من أشد الناس معارضة لحركتنا، وحين كنا نطلب منهم إمدادنا بالمال كانوا يرفضون، كانوا يتاجرون بدماء الشهداء في المحافل والمؤتمرات السرية والعلنية ويستغلون الضغط الذي مارسناه على المحتل بجهادنا لتحقيق مكاسب ذاتية، أعرفهم واحدا واحد.." عمي احمد كان وثيقة تاريخية لا تقدر بثمن ، أدركت من سماعي لقصته أن هناك تاريخا مزيفا يحتاج إلى المراجعة والمعالجة، لم أكتب إفادته التاريخية القيمة كما طلب مني وقد ندمت على تفريطي في ذلك فيما بعد، لكنني اقتنعت بوجهة نظره بخصوص التهميش الذي تعيشه مرنيسة التي تغص بأمثاله، وغيرها من قلاع المقاومة التاريخية، ففي تلك النظرة ما يغني عن ذكر الكثير من التفاصيل، قال عمي أحمد" إنه تهميش مقصود"