كلُّ من يشرب من رأس الماء ويستنشق هواء شفشاون يحمل في داخله بذرة فنان، موهبة تحتاج طبعا إلى الصقل والحفر بإزميل التجربة والممارسة لتطوير المهارات الفنية والإبداعية. وقد كان لرواد الموسيقى الأندلسية بشفشاون دورٌ مهم في صيانة الموروث الفني وتلقينه للأجيال. وبرحيل الفنان العياشي الشليح، أستاذ الآلة وأحد الأعضاء الموسيقيين الأوائل في جوق الطرب الأندلسي بشفشاون، تكون المدينة قد فقدت أحد المؤسسين والرعاة لفن الموسيقى الأندلسية؛ من ذلك الجيل المخضرم الذي عايش رواد الفن الأندلسي الأصيل، الجيل الذي بقي وفيّا لمدينته ولم تغره الهجرة إلى مدن الشهرة بالانضمام إلى أجواق تحقق الثراء السريع. إنه الجيل الذي حافظ على الصنعات الموسيقية ونافس كبار الفنانين عزفا وغناء في تظاهرات كثيرة، ومن خلال مشاركاته المتميزة تداول الناس اسم شفشاون، فازدادت شهرتها الفنية وصارت علامة ذات جاذبية وإلهام للعديد من الفنانين الكبار. هل ستطوى صفحة مشرقة من تاريخ شفشاون المجيد لجيلٍ موسيقي بقي ثابتا، عاشقا لفن رفيع، محافظا على الطبوع والمقامات الأندلسية؟ جيل ساهم بجهده ووقته، وكانت له عطاءات متميزة في تظاهرات ومهرجانات وطنية ومحلية ودولية، كل ذلك في سبيل خدمة الموسيقى الأندلسية ورفع رايتها خفّاقة في مختلف المناسبات. ومن الطبيعي والمؤكد أن هذا الجيل، حتى وإن رحل بعض رموزه تباعا، ستبقى أسماؤهم حية في الذاكرة والوجدان، باعتباره جيلا موهوبا خلف أثرا طيبا في النفوس والقلوب. فقد صنع فنانوُه لحظات من الفرح والجمال في مناسبات عديدة، وأكدوا أن شفشاون، على مر التاريخ، مدينة تتميز بالتدين الوسطي وحب الفنون، ولا بد أن تجد في الأسرة الواحدة فنانا موهوبا مولعا بفن الأمداح والإنشاد والعزف والغناء. تلك هي شفشاون التي نحب، وستبقى ولودا وملهمة. نسأل الله العلي القدير أن يلهم أبناء الراحل الفنان العياشي الشليح، ومنهم الأستاذ نبيل، جميل الصبر وحسن العزاء، وأن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وغفرانه، ويشمله برضوانه، ويسكنه فسيح جنانه، ويجزيه أوفى الجزاء على ما أسداه من عطاء متميز في خدمة الموسيقى الأندلسية.