في مشهد يضرب في العمق مصداقية الممارسة البرلمانية، صادق مجلس النواب المغربي، في قراءة ثانية، على مشروع قانون يعد من الأعمدة الأساسية للعدالة الجنائية، وسط غياب فاضح ل333 نائبا من أصل 395. جلسة التصويت التي همّت مشروع القانون رقم 03.23 المتعلق بتعديل وتتميم قانون المسطرة الجنائية، تحوّلت إلى مؤشر صارخ على أزمة تمثيلية لا تخطئها عين، حين اختزل الحضور في 62 نائبا فقط، أي ما يعادل 15% من أعضاء الغرفة الأولى. المفارقة أن النص المصوّت عليه لا يخص تفاصيل تقنية أو إجراءً تنظيميا ثانويا، بل يمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، ويعيد صياغة مفاصل حاسمة في منظومة العدالة والحرية. ومع ذلك، حضرت أقلية وصوّتت الأغلبية الغائبة بالصمت. هذه الواقعة لم تكن استثناء ولا انعكاسا لحالة طارئة. بل تمثل نمطاً يتكرّر كلما استُدعي البرلمان لمناقشة ملفات ذات عمق تشريعي أو بعد حقوقي، من قوانين مالية إلى إصلاحات بنيوية تمس جوهر العقد الاجتماعي. صمت الغالبية خلال جلسات من هذا النوع أصبح مألوفا، وكأن البرلمان مجرد مؤسسة لتزكية ما يُطبخ خارجها. دستور 2011، الذي جاء في سياق مطالب شعبية بالكرامة والتمثيل والمحاسبة، منح للبرلمان صلاحيات واسعة، وكرّس دور النائب كفاعل أساسي في التشريع والمراقبة والترافع. لكن الغياب المتكرر عن الجلسات المفصلية يفرغ هذه الصلاحيات من مضمونها، ويحوّل العمل البرلماني إلى مشهد صوري، لا يعكس سوى أزمة بنيوية في جدية الالتزام السياسي والتمثيلي. ما حدث في جلسة تعديل قانون المسطرة الجنائية يكشف أيضاً هشاشة أدوات المحاسبة الداخلية داخل المؤسسة التشريعية، وغياب تقاليد سياسية تُلزم النائب بالحضور والمشاركة، ليس فقط كواجب وظيفي، بل كحد أدنى من الوفاء لثقة الناخبين. فكيف يمكن للبرلمان أن يمارس رقابته على الحكومة، وهو عاجز عن مراقبة نفسه؟ أما الصمت الرسمي، سواء من رئاسة المجلس أو من الأحزاب الممثلة فيه، فيؤشر على تطبيع مقلق مع سلوك الغياب، ويعكس هشاشة في بنية التعاقد السياسي بين المواطن وممثله. المواطن الذي ينتظر من البرلمان الدفاع عن حقوقه، يجد نفسه أمام مؤسسة لا تكلف نفسها حتى عناء التصويت نيابة عنه. وإذا استمر هذا النمط في الاشتغال، فإن البرلمان سيتحول إلى فضاء شكلي لإضفاء الشرعية على قوانين تم إعدادها خارج دائرة النقاش العام، ما يعمّق فجوة الثقة بين المجتمع والمؤسسات، ويغذّي مشاعر اللامبالاة والنفور من السياسة. إن إصلاح منظومة العدالة لا يمكن أن يمر من خلال نصوص فارغة من النقاش، أو من خلال تصويتات تغيب عنها الإرادة الشعبية. فالقوانين، خصوصاً حين تمس الحريات، لا تكتسب مشروعيتها فقط من أغلبية عددية، بل من الحضور الفعلي للنقاش والتمحيص، ومن التعبير الواعي عن الرأي والموقف. لذلك، فإن ما حدث لا يجب أن يمر مرور الكرام. هي دعوة إلى مساءلة جماعية: لمن يصوّت البرلمان؟ ومن يراقب النواب؟ ومن يدافع عن أصوات المواطنين حين يغيب من أوكلوا إليهم ذلك؟ إن الديمقراطية ليست في عدد المقاعد، بل في احترام فكرة التمثيل ذاتها. وما جرى ليس فقط خللاً في النصاب، بل خلل في المعنى.