فوق أرضية العشب الاصطناعي التي كانت حتى وقت قريب مسرحا لهتافات مشجعي كرة القدم، تصطف اليوم عشرات الخيام البيضاء في نسق هندسي دقيق، لتشكل مدينة صغيرة مؤقتة وسط مدينة القصر الكبير. هنا، في هذا الملعب الذي تحول اضطراريا إلى مركز إيواء، يجد المئات من السكان "الملاذ الآمن" بعدما أجبرتهم مياه وادي اللوكوس العاتية على مغادرة منازلهم، في واحدة من أعنف موجات الفيضان التي تشهدها المنطقة منذ عقود. داخل المخيم المستحدث، تفرض القوات المسلحة الملكية إيقاعا منضبطا وصارما لتدبير الأزمة. فالصور القادمة من عين المكان تنقل مشهدا يمزج بين الحزم العسكري واللمسة الإنسانية؛ جنود بزي الميدان يقفون بانتظام أمام صفوف الخيام لتأمين الموقع، بينما تنهمك فرق أخرى، بمعية عناصر الوقاية المدنية، في توزيع الأغطية والبطانيات الشتوية السميكة على أسر غادرت بيوتها على عجل، لا تحمل معها سوى ما خف وزنه من ممتلكات، هربا من زحف المياه. ولا يقتصر المشهد على الإيواء فقط، بل يتجاوزه إلى عمليات إنقاذ درامية تدور رحاها في الأحياء المنخفضة المحاذية لضفاف الوادي. فقد تحولت شوارع المدينة وأزقتها، لا سيما القريبة من "طريق العرائش"، إلى قنوات مائية مفتوحة. وهناك، تبرز مهارات "وحدة الإنقاذ والإغاثة للهندسة العسكرية" التابعة للقوات المسلحة الملكية، التي نزلت بكل ثقلها الميداني واللوجستي لمواجهة الكارثة. وفي قلب المياه الموحلة التي غمرت الطوابق الأرضية للمباني، تشق زوارق مطاطية عسكرية طريقها بحذر. يقود الجنود هذه القوارب في المناطق العميقة، لكنهم سرعان ما يترجلون في المياه الضحلة، يحيطون بالقوارب بأجسادهم ويدفعونها يدويا لإيصال العالقين إلى اليابسة، في مشهد يوثق لتلاحم استثنائي بين الجيش والمواطنين. وتظهر اللقطات الميدانية عناصر الإنقاذ وهم يحملون الأطفال على أكتافهم، ويساعدون الشيوخ على ركوب زوارق الإغاثة، بينما يرتدي الجميع سترات النجاة البرتقالية استعدادا لرحلة العودة إلى بر الأمان. ويأتي هذا الاستنفار القصوى استجابة لوضع هيدروليكي معقد؛ فامتلاء حقينة سد "وادي المخازن" بنسبة مائة بالمائة، تزامنا مع ظاهرة المد البحري العالي في المحيط الأطلسي، شكل "سدا طبيعيا" حال دون التصريف السلس لمياه الأمطار الغزيرة نحو البحر، مما أدى إلى ارتداد المياه نحو المدينة. وأمام هذا الوضع، لم تكن صافرات عناصر الوقاية المدنية مجرد إشارات صوتية، بل كانت طوق نجاة يعلن وصول المساعدة للسكان المحاصرين في منازلهم، حيث يتم التنسيق معهم بدقة لإخلائهم قبل ارتفاع منسوب المياه. وفي خضم هذه الأجواء العصيبة، برزت روح التضامن المحلي كفاعل أساسي في المعادلة. سائقو الشاحنات الكبيرة وأصحاب الجرارات الفلاحية وضعوا آلياتهم رهن إشارة فرق الإنقاذ، مقتحمين المناطق التي تعذر على السيارات العادية بلوغها، لتقديم الدعم اللوجستي ونقل المواطنين. وبالعودة إلى الملعب الرياضي، ومع حلول الظلام وبرودة الطقس في هذا الوقت من السنة، تبدو الخيام المضاءة كجزيرة دافئة وسط محيط من القلق. ورغم قساوة الظرفية، تلمس في وجوه المتضررين شعورا بالاطمئنان، نابعا من سرعة التدخل ونجاعة تدابير الإيواء التي سهرت عليها السلطات الإقليمية بتنسيق محكم بين مختلف الأجهزة. إنه سباق ضد الزمن والمياه تخوضه مدينة القصر الكبير، حيث تتضافر الجهود العسكرية والمدنية ليس فقط لحماية الأرواح، بل لصون كرامة المتضررين عبر توفير إيواء لائق، في انتظار انحسار غضب "اللوكوس" وعودة الحياة إلى مجراها الطبيعي.