مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، تستعيد دائرة طنجةأصيلة موقعها في قلب المشهد السياسي المحلي، لا باعتبارها فقط دائرة تمنح خمسة مقاعد برلمانية وازنة، بل لأنها تعكس، أكثر من غيرها، طبيعة التحولات التي تعرفها الحياة الحزبية في مدينة تتقاطع فيها حسابات النفوذ، والتموقع، والرهان على المستقبل. هنا، لا تبدو الانتخابات مجرد موعد دوري لتجديد التمثيلية، بل لحظة كاشفة لميزان القوى، واختبارا دقيقا لقدرة الأحزاب على إدارة تنافسها الداخلي قبل مواجهة خصومها في الميدان. في طنجة، يبدأ السباق الانتخابي قبل زمن طويل من انطلاق الحملة الرسمية. يبدأ في الكواليس، داخل الاجتماعات المغلقة، وفي المشاورات التي لا يعلن عنها، وفي التقديرات التي تحاول كل قيادة حزبية من خلالها أن تجيب عن السؤال نفسه، من يملك فعلا حظوظ العبور إلى البرلمان، ومن يملك فقط الرغبة في خوض المعركة. وبين هذين الحدين، تتحدد رهانات الأحزاب، وتتشكل ملامح الخريطة المقبلة. دائرة طنجةأصيلة ليست دائرة عادية في الحسابات السياسية. فهي بحكم موقعها داخل واحدة من أكبر مدن المملكة، وبحكم كثافتها السكانية، وتعدد أحيائها، وتداخل امتداداتها الاجتماعية، تفرض على الأحزاب معايير أكثر صرامة في اختيار مرشحيها. هنا لا يكفي الانتماء الحزبي وحده، ولا تكفي الشرعية التنظيمية وحدها، ولا يكفي الحضور الإعلامي وحده. ما يحسم في النهاية هو مزيج دقيق من النفوذ المحلي، والقدرة على بناء شبكة ميدانية فعالة، والإمكانات المالية، والصورة العامة للمرشح، ثم قدرته على الظهور باعتباره عنوانا للربح لا مجرد اسم يملأ رأس اللائحة. في هذا السياق، تبدو التحضيرات الجارية داخل عدد من الأحزاب أقرب إلى مرحلة فرز عسير منها إلى مسطرة تنظيمية عادية. فالمشهد لم يستقر بعد، والأسماء المتداولة لا تزال رهينة توازنات دقيقة، بعضها يتعلق بالصراع الداخلي، وبعضها يرتبط بحسابات الربح والخسارة، وبعضها الآخر يتصل بالمزاج العام داخل المدينة، وبطبيعة الرسالة التي يريد كل حزب أن يبعث بها إلى الناخبين. داخل حزب الاستقلال، تبدو الصورة مفتوحة على أكثر من احتمال. فالمعطيات المتداولة في الأوساط المحلية تفيد بأن الحزب لم يحسم بعد في هوية الشخصية التي ستقود لائحته، خاصة مع تداول معطى يفيد بأن البرلماني الحالي محمد الحمامي لا يتجه إلى خوض الاستحقاق المقبل. وإذا تأكد هذا المعطى، فإن الحزب سيكون أمام لحظة مفصلية، لأن الأمر لا يتعلق فقط بتعويض اسم بآخر، بل بإعادة بناء توازن انتخابي قائم على شخصية راكمت حضورا داخل الدائرة. وفي مثل هذه الحالات، يتحول سؤال التزكية إلى امتحان مزدوج، من جهة اختيار الاسم القادر على الحفاظ على ما راكمه الحزب انتخابيا، ومن جهة ثانية تجنب أن تتحول المنافسة الداخلية إلى جرح تنظيمي مفتوح قبل دخول المعركة. أما حزب التجمع الوطني للأحرار، فيتحرك هو الآخر داخل منطقة لم تتبلور نهائيا. صحيح أن القرار الرسمي لم يصدر بعد، لكن المؤشرات المتداولة محليا توحي بأن الحزب يدرس إمكان الدفع بوجه جديد في طنجة، في خطوة قد تحمل أكثر من دلالة. فمن جهة، قد تعكس هذه الفرضية رغبة في إعادة ترتيب الصورة المحلية للحزب، ومن جهة أخرى قد تكون محاولة لتجاوز إرث بعض التوازنات السابقة، والرهان على شخصية تمنح الانطباع بالتجديد. لكن هذا الخيار، إن تأكد، لن يكون بلا كلفة. فالأحرار يدخلون الانتخابات المقبلة من موقع الحزب الذي يقود الحكومة، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة للمساءلة الشعبية، وأكثر حاجة إلى مرشح لا يكتفي بالانتماء إلى الحزب، بل يجسد أيضا قدرة على الدفاع عن حصيلة سياسية ثقيلة في ظرف اجتماعي واقتصادي معقد. في المقابل، يبدو حزب الأصالة والمعاصرة أقرب إلى الوضوح من غيره. فالمعطيات المتداولة تشير إلى توجه قوي نحو الإبقاء على البرلماني الحالي عادل الدفوف في مقدمة المشهد، خاصة بعد إعلان المنسق الجهوي عبد اللطيف الغلبزوري عدم رغبته في خوض السباق. وهذا الوضوح ليس تفصيلا بسيطا. ففي دوائر شديدة التنافس مثل طنجةأصيلة، تكتسب الأسبقية في الحسم قيمة تنظيمية مهمة، لأنها تمنح الحزب وقتا إضافيا لتوحيد صفوفه، وضبط إيقاعه الداخلي، والانتقال مبكرا من سؤال من يترشح إلى سؤال كيف تدار المعركة. وفي السياسة، كثيرا ما تكون هذه المسافة بين السؤالين هي الفارق بين حزب يدخل الحملة جاهزا، وآخر يدخلها منهكا. حزب الاتحاد الدستوري، من جهته، يبدو وكأنه اختار منطق الحسم المبكر. فالمعطيات المتداولة تفيد بأن محمد الزموري هو الأوفر حظا لقيادة اللائحة، في خيار يقرأه متتبعون من زاوية الرهان على شخصية تجمع بين الحضور داخل شبكات التأثير المحلية والقدرة على تمويل حملة انتخابية قوية. وهذا النوع من الاختيار يعكس، في جوهره، طبيعة التنافس داخل الدائرة. فالأحزاب هنا لا تبحث فقط عن مرشح يتقن الخطاب السياسي، بل عن مرشح قادر على تحويل الحضور الاجتماعي والمالي إلى بنية انتخابية صلبة، تمتد من اللقاءات المغلقة إلى التحرك اليومي داخل الأحياء. أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيبدو عالقا في منطقة انتظار. فاسم مرشحه لم يحسم بعد بصورة نهائية، في وقت تتراجع فيه، وفق ما يتردد، حظوظ البرلماني الحالي عبد القادر بن طاهر في الظفر بالتزكية. ويأتي هذا التردد في سياق أوسع يتجاوز حدود الحزب نفسه، ويرتبط بتغير المناخ العام الذي تؤطره دعوات متزايدة إلى تخليق الحياة السياسية، وتشديد الانتباه إلى صورة المرشحين وسيرتهم العمومية. لذلك لا يقتصر السؤال داخل الاتحاد الاشتراكي على من يملك الرغبة في الترشح، بل من يستطيع أن يمنح الحزب صورة منسجمة مع هذه المرحلة، من دون أن يتحول إلى عبء سياسي أو أخلاقي في لحظة بات فيها الرأي العام أكثر انتباها إلى مثل هذه التفاصيل. في صفوف حزب العدالة والتنمية، تبدو الحسابات أكثر تعقيدا. فالحزب الذي خرج من انتخابات 2021 بخسارة قاسية على المستوى الوطني، ما زال يبحث في عدد من الدوائر عن الكيفية التي يمكن أن يدير بها عودته إلى الواجهة. وفي طنجةأصيلة، تتجه النقاشات الداخلية نحو اسم محمد بوزيدان، غير أن الحسم يظل معلقا على موقف محمد خيي، بما يعني أن الحزب لم يغلق بعد باب المفاضلة بين أكثر من سيناريو. هذا التردد يبدو مفهوما إذا ما أخذ في الاعتبار أن العدالة والتنمية لا يحتاج فقط إلى مرشح يحافظ على تماسكه التنظيمي، بل إلى شخصية تستطيع أن تستعيد جزءا من الثقة الانتخابية التي تآكلت في السنوات الأخيرة، وأن تعيد وصل ما انقطع بين الحزب وناخبين كانوا، في وقت سابق، يشكلون جزءا من خزان دعمه الأساسي. الحركة الشعبية، من جهتها، تبدو أمام معادلة شديدة الصعوبة. فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن الحزب لم ينجح بعد في العثور على شخصية تمتلك ما يكفي من المقومات لخوض منافسة جدية في دائرة بهذا الحجم. والبحث هنا لا يتعلق باسم رمزي أو بحضور بروتوكولي، بل بشخصية تجمع بين الإمكانات المالية، والامتداد الاجتماعي، والقدرة على بناء حملة تحافظ على نفس طويل في مواجهة أحزاب أكثر تجذرا داخل المدينة . في مثل هذا السياق، يصبح التأخر في الحسم نقطة ضعف في حد ذاته، لأن الزمن الانتخابي في طنجة لا يرحم كثيرا من يدخل السباق متأخرا أو مرتبكا. غير أن اختزال المشهد في أسماء المرشحين وحدها سيكون قراءة ناقصة. فالمعركة في دائرة طنجةأصيلة لا تدار فقط من خلال الوجوه، بل من خلال البنية العميقة التي تقف خلفها. هناك أولا العامل التنظيمي، أي قدرة الحزب على تعبئة أطره ومناضليه وضبط إيقاعه الداخلي. وهناك ثانيا العامل المالي، لأن إدارة حملة انتخابية فعالة في دائرة واسعة ومتعددة الفضاءات تفرض موارد كبيرة. وهناك ثالثا العامل الاجتماعي، أي صلة المرشح بشبكات التأثير المحلية، وبالفاعلين داخل الأحياء، وبقدرة حضوره على التحول إلى أصوات حقيقية. وهناك أخيرا العامل الرمزي، المتصل بصورة المرشح، وخطابه، ومدى قابليته لتجسيد فكرة الفوز في أعين الناخبين. لهذا كله، تبدو دائرة طنجةأصيلة أقرب إلى مختبر سياسي مفتوح. فهي تكشف مبكرا حدود القوة الحقيقية لكل حزب، وتفضح في الآن نفسه هشاشة بعض البنيات التي تبدو صلبة من الخارج. كما أنها تضع الجميع أمام أسئلة تتجاوز مجرد التنافس على المقاعد، من قبيل القدرة على تجديد النخب، وإعادة بناء الثقة، والتوفيق بين منطق التنظيم ومنطق الاستحقاق، وبين منطق الولاء الداخلي ومنطق الجاذبية الانتخابية. في العمق، لا تدور المعركة المقبلة فقط حول من يفوز بالمقاعد الخمسة، بل حول من ينجح في إقناع المدينة بأنه يقرأ تحولات لحظتها السياسية والاجتماعية بشكل أفضل. فالناخب في طنجة لم يعد يتحرك فقط بمنطق الانتماء الحزبي الصارم، ولا بمنطق التعبئة التقليدية وحدها. هناك تطور واضح في معايير التقييم، حتى وإن ظل النفوذ المحلي والقدرة التنظيمية عنصرين حاسمين. وهذا ما يجعل الأحزاب مضطرة إلى خوض معركة مزدوجة، معركة داخلية لحسم الأسماء، ومعركة خارجية لإنتاج سردية سياسية مقنعة. حتى الآن، لم تستقر الصورة النهائية. لكن الثابت أن دائرة طنجةأصيلة تتجه إلى سباق شديد التنافس، وأن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في رسم ملامح هذا السباق . بعض الأحزاب تبدو أقرب إلى الجاهزية، وبعضها لا يزال يتحرك داخل ضباب الحسابات، وبعضها الآخر يواجه صعوبة في العثور على المرشح الذي يمنحه الأمل في البقاء داخل دائرة الصراع الحقيقي. وبين هذا كله، تظل طنجة، مرة أخرى، مدينة تكشف باكرا ما تحاول السياسة في أماكن أخرى أن تخفيه، من يملك فعلا أدوات المعركة، ومن يكتفي بالظهور داخلها.