يتجه حزب الأصالة والمعاصرة، نحو تبني خيار "الاستمرارية" في دوائره الانتخابية القوية بالشمال، مع الاحتفاظ بهامش للمراجعة في الدوائر التي تطرح تعقيدات تنظيمية أو ترتبط بملفات معروضة على القضاء الإداري. وتشير القراءات الأولية للوائح المتداولة داخل الأروقة التنظيمية للحزب، إلى أن الأسماء المطروحة لتصدر الترشيحات ليست طارئة على المشهد السياسي المحلي والجهوي، بل تهم بالأساس نوابا برلمانيين يمارسون مهامهم الانتدابية خلال الولاية التشريعية الحالية (2021-2026). ويعكس هذا التوجه الأولي رغبة من القيادة الجهوية والوطنية للحزب في إعادة اختبار الوجوه التي ضمنت له موقعا متقدما في الخريطة الانتخابية لجهة الشمال. ويفسر مراقبون للشأن الحزبي هذه الخطوة بكونها إشارة مزدوجة؛ تتمثل الأولى في تأجيل إحداث قطيعة مع منتخبي الولاية الجارية، بينما تتجلى الثانية في تفضيل الحزب، خلال مرحلة التقييم الحالية، الحفاظ على وعائه الانتخابي التقليدي ورأسماله البشري المحلي، تفاديا لفتح جبهات صراع مبكرة حول بدائل قد تفتقر للجاهزية اللوجستية والميدانية. في دائرة المضيق-الفنيدق، ينسجم التداول باسم البرلماني محمد العربي المرابط مع هذا المسار. حيث يحافظ النائب الحالي الذي يشغل ايضا رئيس جماعة مرتيل على دينامية تواصلية عبر توجيه أسئلة كتابية ومبادرات رقابية تهم الشأن المحلي، لا سيما القضايا المرتبطة بتداعيات الفيضانات الأخيرة وتأهيل البنيات التحتية، مما يرسخ موقعه في الواجهة التمثيلية للدائرة. وينطبق ذات المنطق الانتخابي، بدرجة متقاربة، على دائرة طنجة-أصيلة، حيث يظل البرلماني عادل الدفوف رقما أساسيا في معادلة الحزب. ويعد الإبقاء على ترشيحه المحتمل امتدادا لخيار الحفاظ على الاستقرار التنظيمي، وتجنبا لمخاطر إعادة هيكلة الخريطة الانتخابية من نقطة الصفر. أما في إقليمالعرائش، فتبرز حالة البرلماني محمد حماني كمؤشر إضافي على تثبيت القيادة لعمل منتخبيها. ويواصل الموقع الرسمي للحزب إبراز الحصيلة الرقابية والأنشطة الميدانية لحماني، خاصة تدخلاته المتعلقة بمعالجة آثار التساقطات المطرية ومشاكل التنمية بالإقليم. ويوحي هذا الحضور الإعلامي المؤسساتي بأن المعني بالأمر لا يزال يتصدر الواجهة السياسية الفاعلة للحزب في دائرته، وأن ترجيح حظوظه ينبع من استمرار حضوره الميداني إلى جانب التوازنات التنظيمية. في المقابل، تتخذ المشاورات طابعا أكثر تعقيدا في أقاليم أخرى. ففي دائرة الحسيمة، تبرز معطيات مغايرة ترتبط بالنائب البرلماني محمد الحموتي. ولا يقتصر التحدي التنظيمي هنا على هوية المرشح البديل، بل يرتبط أساسا بمدى حسم النائب الحالي لقراره بشأن خوض المعركة الانتخابية مجددا. ويفرض هذا التردد مساحة أوسع لإعادة ترتيب الأوراق التنظيمية المحلية قبل اتخاذ أي قرار نهائي. ولا يختلف الوضع جوهريا في إقليمشفشاون، حيث يحيط الغموض بمستقبل الترشيح رغم استمرار الحضور البرلماني للنائب عبد الرحيم بوعزة. ورغم انخراطه في طرح ملفات محلية راهنة، فإن ضمان التزكية في دوائر تتسم بتداخل الحسابات الانتخابية وثقل "الأعيان"، يتطلب ترتيبات تتجاوز مجرد الحصيلة التشريعية. وتبقى حالة البرلماني محمد العربي أحنين، عن دائرة تطوان، الأكثر حساسية ضمن هذه الخريطة الانتخابية الأولية. ففرص استفادته من مسار "الاستمرارية" تصطدم بتداعيات ملفات معروضة أمام القضاء الإداري. وتفيد تقارير إعلامية نشرت عام 2024، بأن أحنين يواجه دعاوى أمام المحكمة الإدارية بالرباط تتعلق ب"خروقات تعميرية" مفترضة إبان ترؤسه لجماعة أزلا، مع تسجيل قرارات بإلغاء رخص بناء على صلة بالملف. ورغم عدم صدور أحكام نهائية باتة، فإن معيار "القابلية الانتخابية" يتجاوز الثقل المحلي المباشر ليشمل الكلفة السياسية والأخلاقية المحتملة للمرشح. وتخلص هذه المؤشرات الميدانية إلى أن حزب الأصالة والمعاصرة لا يتجه، حتى الآن، نحو إحداث تغييرات جذرية في نخبه البرلمانية بشمال المغرب، بل يعتمد فرزا تدريجيا هادئا؛ يثبت القيادات ذات الحضور الميداني، ويتريث في الدوائر التي تنتظر حسم أصحابها، ويترك هامشا واسعا للمراجعة حيث تتداخل الاعتبارات القضائية والتنظيمية قبل إصدار لوائح التزكية الرسمية.