راسل جلالة الملك محمد السادس، اليوم الثلاثاء، الرئيس الأمريكي دولاند ترامب، كما تحدث هاتفيا مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وذلك بعد عزم الولاياتالمتحدة نقل سفاراتها في إسرائيل إلى القدس، وهو الخبر الذي أكده الرئيس الأمريكي في حديثه مع كل من عباس والعاهل الأردني الملك عبد الله. جاءت انتفاضة جلالة الملك في وقت حرج وفي ظل صمت عربي وإسلامي ودولي مطبق، ولم يعد هناك من يقول لأمريكا إن هذا الفعل يعتبر كارثة قد تقود إلى حروب وفوضى، والمنطقة لم تعد تحتمل كثيرا من الدمار بعد الذي لحقها، والذي ستكون له لا محالة تداعيات خطيرة على المنطقة وعلى كل دول العالم. في بلاغ الديوان الملكي حول المكالمة الهاتفية بين جلالة الملك والرئيس محمود عباس ذكر صفات جلالة الملك باعتباره ملكا للمغرب وأميرا للمؤمنين ورئيس لجنة القدس، المنبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي، وفي الصفات الثلاث معاني كبيرة تحيل على مرتكزات التحرك الملكي الجريء والسريع في اتجاه تكوين رأي عام دولي مناهض للخطوة الأمريكية، القاضية بنقل سفارتها إلى القدس واعتبار المدينة التاريخية عاصمة أبدية لدولة إسرائيل، وذلك تجنيبا للعالم أي أزمة أو حروب نتيجة هذا القرار. وفي الرسالة إلى الرئيس الأمريكي تذكير بمقتضيات المعارضة القوية للقرار الأمريكية، باعتبار أن المدينة تاريخية وهي رمز للسلام والتسامح وتعايش الأديان، باعتبارها مقدس المسلمين ومسرى الرسول عليه الصلاة والسلام وتوجد فيها كنيسة المهد أي موطن عيسى عليه السلام، ولا يمكن تجاوز كل هذه المعطيات وضربها عرض الحائط، كما أنها شكلت تاريخيا رمزا للتعايش الإسلامي المسيحي لسنين طويلة، بل إن القدس اليوم هي المكان الوحيد الذي يتوحد فيه المسلمون والمسيحيون دفاعا عن المقدسات. وتبقى القدس رمزا تاريخيا وأي تطاول عليه يعني أن الصراع أصبح مفتوحا على المجهول، وكل تطاول على التاريخ يعني اختراقا في الجغرافية وبالتالي نهاية أي أمل في السلام في الشرق الأوسط. الصفة الدينية لجلالة الملك باعتباره أمير للمؤمنين دفعته لهذه الانتفاضة باعتباره المعني الأول بالرموز الدينية للمسلمين وغير المسلمين، لأن القدس هي المكان الذي يحتل رمزية كبرى في قلوب المؤمنين عبر العالم، وأي تغيير لوضعها التاريخي يعني استعارة المفردات القديمة للحروب التاريخية التي قامت على أساس ديني، وهذا ما أشار إليه جلالة الملك في الرسالة إلى ترامب، أي أن الإقدام على نقل السفارة سيفتح باب جهنم وسيدعم الإرهاب والتطرف وسيعطي فرصة للتيارات المتنطعة لتشعل المنطقة والعالم بحروب لن تنتهي أبدا. وبصفته رئيسا للجنة القدس تولى جلالة الملك الدفاع القانوني عن قضية القدس لأن تغيير لوضع القدس التاريخي سيكون مخالفا للقانون الدولي، الذي اعتبر القدس التاريخية عاصمة لفلسطين الأبدية وهو القرار الذي لم تحترمه إسرائيل ولا عملت دول العالم على تنفيذه. الرسالة الملكية كانت متعددة الأبعاد لأن الموضوع معقد ولا يمكن النظر إليه من جانب واحد وإلا ذهبت المنطقة في حروب قاسية لا يعلم أحد منتهاها.