في جولة في أحياء جامع مزواق و سيدي البهروري يتبين الفرق جليا، ذالك الفرق الذي لا يحس به ولا يستشعره سوى أولئك الذين عاشوا ماضي هذه الأحياء و يعايشون الآن حاضرها. فبين تلك اللّحظة و هذه هناك أشياءٌ ٱندثرت و أصبحت من الذكريات الجميلة و كذَا أشياء ظهرت و أصبحت جزءاً لا يتجزَّءُ من حياتنا اليومية. و بمقارنة طفيفة لحي سيدي البهروري بين الأمس و اليوم، فقد كانت لا تخلوا من الأولاد، الكبار و الصِّغار منهم، فهناك من أقام عوَارضَ وحجارة وسط الطريق معلنا "ملعباً" لكرة القدم في انتظار اكتمال اللاعبين المنشغلين كعادتهم بداية كل مباراة في البحث عن الفَرْد الأيمن لحذاء في مكان ما على قارعة "الملعب" الحديث العهد، علما أن اليسرى يمكنها تحمل قساوة التربة المختلطة بحبات من الحجارة و بعض بقايا الآجور الحاد بما أنها لن تُسْتَخدم لركل الكرة، ثم آخرُ رسم مربعا مانحا الإذن ببداية الجولة الأولى من لعبة "كْرِيطْنَة" الشهيرة، ثم أن الصغار سنا-وكنا منهم آنذاك- كان لهم دور كذالك، فهم يقفون غالبا على حافة "الملعب" ينتظرون من يسَخِّرُهم لجلب السجائر أثناء اللعب أو قارورة من مشروب "الغْزَالَة" الخضراء اللون بين الشوطين أو بعد المباراة آملين الحصول على دُرَيْهِمَ قد يغنيهم عن الوقوف تحت أشعة الشمس الحارقة و الإنتظار طوال اليوم، أو على الأقل رشفة من "الغْزَالَة" المنعشة. ونحن نلعب لعبة "كْرِيطْنَة" في مطلع التسعينات، تلك الكومة من نبات البَقُّول و المغلفة بكيس من حليب كُولِينُور المتحمل لصدمات و كدمات أضْلاع اللاعبين، غالبا ما كانت تنتهي بتمزقها و صنع أخرى. في أيامها كان التركيز و إصابة الهدف بكل دقة ممكنة من ركائز اللعبة و أولويات كل لاعب أو فريق، فكنا نلعب و نستمتع و نطور قدراتنا الذهنية و الحركية و لو دون علم منا. أما اليوم، فأقصى حركة ممتعة قد يقوم بها من لم يعهد "كْرِيطْنَة" و "شْرِيوْطَة" و غيرها من الألعاب العالقة بين ذكرياتنا، قد تكون تحريك أحد الأصابع أو تدوير هاتفه الذكي حتى دون تحريك إصبعه، وفي ذلك قد يجد متعته مع أحد الأصدقاء الوهمين المفترضين من فايسبوك أو غيرها من من متاجر الصداقات الوهمية. أمس، لم تكن الطرقات المهيئة و لم تكن تخلو من أحد كذالك، أما اليوم فهي في أبهى حُلَلِها في ظل خُلُوِّها من كل تلك الألعاب و تعويض هذه الأخيرة بأخرى ٱفتراضية. لم يكن باستطاعة أحد منا مجرد أن يحلم بيوم يصبح فيه "الهاتف الذكي" -هذا الكائن الجديد- جزءا من حياة طفل التسع و الثمان أو حتى السبع سنوات، شيء أصبح عادي جدا، أو على الأقل بالنسبة للجيل الحالي الذي ولد ليجد ما يطلق عليه "سمارتفون" و "سمارت واتش" و "آيفون" و "آيباد" و غيرهم، هذا الإبتكار الجديد في نظري له من السلبيات في مثل هذه الأحياء بالذات ما يفوق بكثير الإيجابيات، ففي حدود هذه الساعة و أنا أكتب كلماتي هذه، فقد تخليت عن قلم و ورقة كنت أجد فيها متعة لأكتفي بالنقر على شاشة جهاز باع الواقع و الحقيقة بالوهم و الخيال، فما بالك بطفل لم يعهد لا و رقة و لا قلم، اللهم واجباته المدرسية مكرها لا بطل.. شتَّانَ بين أمس كنا نستطيع فيه عدَّ عدَدِ البيوت في كل حَيٍّ لِقِلَّتِها، و حَاضِرٍ كَثُر فيه الوافدون من القرى و الأرياف بعاداتٍ و أعراف لم نعهدها يوماً.. شتَّانَ بين أمسِنا و يَوْمٍ أصبحنا فيه نحن الغرباء!