انتخاب اخشيشن رئيسا لمجموعة الجماعات الترابية لتدبير النقل الحضري وشبه الحضري بجهة مراكش أسفي    دراسة : المغرب الأغلى عربيا في أسعار كهرباء المنازل    الدفاع الحسني الجديدي يكشف حقيقة التفاوض مع المدرب الجزائري عبد الحق بنشيخة    رونار: "حكيمي اتصل بي قبل 48 ساعة من اتخاذ قرار الانتقال للإنتر و قلت له أن يقبل دون تردد"    إصابتان بفيروس كورونا داخل منافس الرجاء البيضاوي    بميناء طنجة المتوسط: احباط عملية لتهريب العملة الصعبة    القبض على ضابط ممتاز يوهم المواطنين بوظائف وهمية بأسلاك الشرطة بكازا    خطير.. العثور على جثة ستيني مذبوحا بطريقة وحشية بالبيضاء    اجتياز امتحان البكالوريا بإدارة مستشفى محمد الخامس بالجديدة    فصل شرطيين أميركيين بعد نشر صورة لهما يقلدان وضعية خنق طبقت على رجل أسود    الفرصة مازالت متاحة لتقديم الأفلام في مرحلة ما بعد الإنتاج لمنصة الجونة    بؤرة معمل السمك بآسفي .. تسجيل 105 إصابة بفيروس كورونا المستجد    احذروا.. درجة الحرارة تصيل إلى 48 بهذه المناطق    كيكي سيتين يعلن قائمة برشلونة لمواجهة فياريال غدًا في الليجا    أروى: سأخوض التمثيل للمرة الأولى    تيغازوي يعُود لاستِئناف تَداريبه رفقة الوداد و الناهيري يُواصل "تمرّده"    بوتين: رفع السفارة الأمريكية بموسكو لعلم الشواذ يدل على من يعمل هناك    الملك محمد السادس يبعث برقية إلى الرئيس الأمريكي ترامب    عاجل.. "أمنيستي" تردّ على الحكومة المغربية بخصوص ملف "التجسّس" على هاتف الصحافي عمر الراضي    فيدرالية الناشرين: لن ندخل في حرب اصطفافات وسنمد يدنا لرص الصفوف    فيروس كورونا : تسجيل أزيد من 100 حالة إصابة جديدة للفيروس وسط بؤرة صناعية، واستنفار كبير يعقب الحادث.    دراسة: النسخة الراهنة لفيروس كورونا معدية أكثر من السابق    حادث إطلاق نار بولاية أمريكية يسفر عن مقتل طفل و إصابة 3 آخرين    إعلام أرجنيتي يفضح اختلاس البوليساريو والجزائر للمساعدات الإنسانية الموجهة لساكنة تندوف    ظاهرة تخريب الآثار وإحراق المكتبات في تاريخ المسلمين    تسجيل هزة أرضية بقوة 3،3 درجات بإقليم ميدلت    الجزائري قادر الجابوني يطلق كليبه الجديد "توحشتك عمري"    بعد التمثيل سابقا.. مصمم الأزياء وشمة يقتحم الغناء- فيديو    شراكة على التوثيق ونشر المعلومات تدارت بين مندوبية التخطيط ومجلس المستشارين    الدفعة الثالثة من دعم كورونا لأسر القطاع غير المهيكل معلقة !    بعد إعترافهما بخرق القانون..هل يستقيل الرميد وأمكراز أم ينتظران الطرد؟    ترامب يصف المتظاهرين ب "الغوغائيين" يقودون "ثورة ثقافة يسارية" للإطاحة بالثورة الأمريكية    حصيلة كورونا فالجهات هاد الصباح: اكبر عدد إصابات تسجل فجهة فاس مكناس    بعد فترة عصيبة..الصناعة تجد طريقها إلى التحسن    شريط "نايت وولك" لعزيز التازي يحط الرحال بأمريكا الشمالية في ربيع 2021    مباراة تنس بين علامة وكفوري انتهت لصالح السوبر ستار    المحمدية. الشرطة تستخدم الرصاص لتوقيف شخص سرق هاتف فتاة قاصر بالعنف    أول صورة للملك محمد السادس بعد العملية الجراحية (صورة)    تسجيل 146 إصابة جديدة بكورونا في المغرب خلال 16 ساعة    غلاء الأسعار يهدد رهان المغرب على السياحة الداخلية لتجاوز تبعات كورونا    هل هي بوادر أزمة جديد في العلاقات الاسبانية-المغربية؟    بايرن ميونخ يعترف بمفاوضات ليفربول من أجل تياغو ألكانتارا ويؤكد رحيله    تفاصيل.. وعكة صحية تلزم لطيفة رأفت الفراش داخل منزلها    بعد أزيد من 6 أشهر وهو عالق بمصر.. الريفي يعود إلى المغرب!    فيدرالية الناشرين بعد انتخاب هياكلها: لن ندخل في حرب اصطفافات وسنمد يدنا لرص الصفوف واستشراف المستقبل    تحقيق قضائي في فرنسا بشأن إدارة أزمة كورونا يشمل رئيس الوزراء المستقيل وأعضاء في حكومته    مرصد: ال"ONCF" أسوأ مؤسسة مصرحة في ماي.. آجال الأداء يصل 108 أيام    مستجدات كورونا بالمغرب |02 وفيات. و146 حالة جديدة ترفع حصيلة الاصابات ل 13434    وضع باخرتين لشركة "سوناطراك" الجزائرية تحت الحجز بلبنان بسبب فضيحة الفيول المغشوش    فيروس كورونا : تسجيل 4 حالات إصابة جديدة بالأقاليم الجنوبية.    فيروس "كورونا" يكبّد قطاع إنتاج بيض الاستهلاك 3.5 مليون درهم يوميا    المنظومة الكهربائية.. المكتب الوطني للماء والكهرباء يحصل على تجديد شهادة إيزو    خاشقجي : محاكمة غيابية ل: 20 سعودياً بينهم مقربان من ولي العهد السعودي.    لامانع ان نختلف لكن الهدف واحد    الاسلوب هو الرجل    لماذا يستمرون في إغلاق المساجد ؟    عناصر الإيجابية والسلبية في التواصل النمطي بين السلطة والعلماء    نحن تُجَّار الدين!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





رحيل قبل الأوان ..(2/1)
نشر في تطوان بلوس يوم 14 - 05 - 2019


استحضارا ووفاء لروح وذكرى ضحايا 16 ماي ...
عزيز لعويسي.

مرت الذكرى السوداء كما يمر السحاب العابر في براري سماء أغسطس، تاركة وراءها حبات أحزان متناثرة في حقول أمسها البعيد، وأيقظت في حقول ذكراها المهاجرة نيران الصدمة القاتلة، تاركة سفينة عمرها الضائع شاردة في مرسى آهاتها الموجعة .. تداعت صروح الأحلام الوردية، وانهدت أبراج الصباح المنتظر على صخرة الحقيقة المرة .. تلاشت حقول الياسمين واستسلمت أزهار البنفسج لشمس الظلام المحرقة، وأصبحت الآمال المتراقصة سرابا في صحاري الذكريات البائدة ...
رحل "الزوج" قبل الأوان وبدون سابق إعلان، كما رحل "الإبن"، اختطفتهما خفافيش الغدر على حين غفلة، دون أن يرسما على لوحة خديها قبلة الوداع الأخيرة، اقتنصتهما عناكب العدم عنوة .. جرفتهما السيول الجارفة كما لو كانا قطعة قماش تائهة، وأرمت بهما في عوالم اللاعودة .. مصممة أن تخرس صوتهما الدافئ إلى الأبد، أن تنتشلهما عنوة من قاموس الحياة، أن تحولهما إلى رواسب عالقة في أوحال الذكرى العابرة .. رحلا قبل الأوان كما رحلت شمس ذاك المساء .. في عنفوان الربيع الزاهر .. في عز المطر العابر ..
اختلت "راجيني" بنفسها في غرفة آهاتها بعيدة عن العيون المتربصة.. كل شيء عبث به الزمن العابر منذ الليلة السوداء.. ذبل الزهر و جفت العيون الساكنة وأضحى القلب الشارد جمرة في رماد الفراق المحرق .. كل شيء يذكرها بزوجها وإبنها الراحلين، .. تقاسيم وجههما.. عيونهما الجذابة كاللؤلؤ .. نظراتهما المتناثرة كأوراق الهيام.. ضحكتهما المتدفقة بانسياب وعنفوان كالشلال الهائم .. أحلامهما الكاسحة المنسابة كقطرات الندى .. أحاسيسهما الفيحاء كالأريج .. يومياتهما ..آهاتهما.. صرخاتهما .. كل شيء طوته عساكر النسيان وأرمت به في زنازن الذكريات الهاربة .. كل شيء صار في خبر كان... وحدها الأجساد المحترقة بنيران العدم تردد ترانيم الآهات .. وحدها القلوب المكتوية بلهب الألم ولوعة الفراق تتقلى في مقلة العذاب بعيدة عن عيون العالم ...
جلست كعادتها على سريرها الخشبي ..تتأرجح بين مطرقة الوحدة وسندان الفراق المؤلم .. تحتسي فنجان قهوتها المفضلة "موس بلونش" .. تسيطر على بلاط نفسها ملايين من الكلمات .. تاهت بين ثنايا صمتها الرهيب، تخترق سكناتها أسئلة الممكن و اللاممكن .. اللقاء والفراق .. الموت و الحياة .. تتذكر "المكان" و "الزمان" و دموع الأسى لا زالت ترسم مسيلات على وجهها الشاحب .. الزمان : ليلة الجمعة 16 مايو 2003 و "المكان" : الدارالبيضاء .. تتذكر بدقة متناهية "الزمان" الذي غير مجرى حياتها وأرمى بها في أودية الوحدة الموحشة .. وتتذكر"المكان" الذي انطفأت فيه شمعة زوجها وإبنها .." دار إسبانيا" .. كان اليوم يوم "جمعة" .. مر كما تمر الأيام المهاجرة .. لم يكن أحدا يظن أن حبائل الوصال ستنقطع وأن الإعصار الجارف قادم لا ريب .. لم تكن"راجيني " تدرك أن النورس" الوديع " سيغادر حضنها بدون رجعة ، وأن "حبها " القدسي سيشنق على ربوة العدم بدون رحمة ولا شفقة ....
رحلت شمش ذاك النهار وأرخى الليل أجنحته على ''المدينة القديمة" و"المرسى" و "درب عمر" و "درب غلف" و "لقريعة" و" كراج علال" .. على "أنفا" و "المعاريف" و "عين الذباب" ..على "كاريان زرابة" و "طومة " و"الرحامنة ".. على "سيدي مومن" و "مولاي رشيد" و "سيدي عثمان" ... على كل الأمكنة و الشوارع و الزقاقات .. فجأة وعلى غفلة من الزمن العابر.. دقت طبول العدم واهتزت أركان المدينة البيضاء من شدة الانفجارات المدوية ..
هرع "البوليس" إلى الأمكنة المحترقة وكأن القدر أصر إلا أن تتلطخ لوحة احتفالات الذكرى (16 ماي) بطلاء الدم، وهرولت سيارات الإسعاف مخترقا صداها الشوارع الساكنة، وأعلنت حالة الاستنفار في يوم العيد والذكرى..قتلى وجرحى بالجملة .. أجساد متفحمة متناثرة كأوراق الخريف .. أشلاء متطايرة .. نوافذ مكسرة .. برك من الدماء .. صرخات تنبعث وسط ركامات الإعصار الجارف .. وآهات تكسر صمت العيون الشاردة .. كل شيء تغير في لمحة بصر .. ذبلت حقول العنبر .. وهاجم الخريف آخر أوراق السلام الساكن ..
تاهت الكلمات بين ركامات الحيرة و الذهول .. بين الفاعل و المفعول به .. بين المبتدأ و الخبر .. بين الجار و المجرور .. بين المضاف و المضاف إليه .. وشمر البوليس على سواعدهم المرهقة في يوم الذكرى (16 ماي) من أجل البحث و التحري وكشف النقاب عن الحلقة المفقودة في "مسلسل العدم" .. تحركت الأقلام الجافة في مجاري المداد الراكد .. تكاثرت الأخبار كما تتكاثر الجرذان في البالوعات المنسية .. وتناسلت المقالات العطشى مكسرة طوق الإيقاعات الرتيبة بحثا عن الحقيقة الضائعة خلف مرايا العيون الشاردة ...
بعد مضي سنوات على الحادث المدمر، لم تقو"راجيني" على التخلص من ماضيها المدمر.. لا زال " الزوج" و"الإبن" يسكنان جوارحها كالجنيين العاشقين .. فلا هما رحلا عنها ولا هي استطاعت أن تفك معهما حبائل الوفاء و الوصال .. لازالت ترعى في براري ذكراهما العابرة كما ترعى الغزلان المتيمة في مروج العشق الجارف، وتتنقل برشاقة وكبرياء بين موجات أثيرهما كما لو كانت نحلة ولهانة تبحث عن رحيق متناثر وسط الحقول العطشى .. ترجلت بخطوات متثاقلة نحو "البالكونة" بعد أن وضعت فنجان القهوة على المائدة .. نظرت إلى السماء بعيون شاردة تبدو كمدارة طرقية تتقاطع فيها كل شوارع اللوعة والحسرة والحرقة والشوق والفراق، وبعد هنيهة، رسمت الدموع مسيلات متموجة على وجهها الشاحب، تنهدت تنهيدة قاتلة، وتمتمت بكلمات متقاطعة قائلة : "الله ياخد فيهم الحق .. الله ياخد فيهم الحق.."، كلمات كانت تنساب كالشلال الثائر على مرايا قلبها الجريح، فتبث في كواليس نفسها، شحنة قوية، تجعلها تزداد إصرارا في الحياة وزرع شتلات الأمل والمحبة والتعايش والسلام، من أجل زوجها وإبنها الذين اختطفتهما أيادي العدم من بين ذراعيها .. من أجل ضحايا 16 ماي .. من أجل كل من امتدت إليه مخالب التطرف الجبان .. لملمت جراحها واستجمعت قواها، وغادرت البيت على عجل، في اتجاه ساحة محمد الخامس الشهيرة، من أجل المشاركة في وقفة تضامنية أمام "النصب التذكاري"الذي يخلد للذكرى الأليمة، استحضارا لروح ضحايا فاجعة 16 ماي الأليمة ..وهو شوط من أشواط معركة بلاهوادة، ضد التطرف والكراهية والإقصاء، أصرت إلا أن تنخرط فيها، دفاعا عن رسالة المحبة والتعايش والحياة ... مهما دقت طبول العبث والعدم ...
يتبع ...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.