تشهد بعض مساجد المدينة في الآونة الأخيرة بروز ظاهرة غريبة عن قيم الوقار التي طالما ميزت بيوت الله، حيث باتت فضاءات العبادة ومحيطها المباشر مسرحاً لحالات من الفوضى يتسبب فيها قاصرون، في مشاهد تؤثر بشكل مباشر على السكينة والروحانية التي يشد إليها المصلون الرحال. ولم يعد الأمر يقتصر على الضجيج المعتاد أو الجري العفوي، بل تطور إلى سلوكيات دخيلة تتمثل في التربص بالمصلين ورشقهم بنفاخات مملوءة بالمياه، مما يحول لحظات التوجه نحو الصلاة إلى حالة من الترقب والحذر من بلل مفاجئ قد يفسد الطهارة أو يربك التركيز. إن هذه السلوكيات التي تقع في الأزقة المؤدية للمساجد أو في باحاتها الخارجية، تعكس نوعاً من الانفلات التربوي الذي يضع قدسية المكان على المحك. فالمصلي الذي يقصد المسجد بحثاً عن الخلوة الروحية والهروب من صخب الحياة اليومية، يجد نفسه أمام "نفاخات مائية" طائشة وصراخ متعالٍ يقطع حبل الخشوع ويحول بيئة التعبد إلى ساحة للهو غير المنضبط. هذا الوضع لم يثر استياء المصلين فحسب، بل دفع الكثيرين للتساؤل عن تراجع هيبة المسجد في نفوس بعض الناشئة الذين باتوا يرون في محيطه مجرد فضاء مفتوح للمغامرات الصبيانية المؤذية. وتتجاوز خطورة هذه الظاهرة مجرد البلل أو الإزعاج اللحظي، لتطرح علامات استفهام كبرى حول دور الرقابة الوالدية والمسؤولية الجماعية في تأطير سلوك القاصرين. فالتساهل مع هذه التصرفات تحت مسمى "اللعب" يساهم في تكريس ثقافة الاستهتار بالمرافق العامة ودور العبادة، ويحرم المصلين من حقهم الطبيعي في أداء شعائرهم في أجواء من الطمأنينة. إن معالجة هذا الخلل تقتضي تظافر جهود الأسرة والمدرسة وجمعيات المجتمع المدني، لإعادة الاعتبار لأدب الطريق وفقه التعامل مع المساجد، وضمان بقاء هذه المنارات واحات للأمن الروحي بعيداً عن أي تشويش قد يخدش وقارها.