- سعيد رحم وجه الملك رسالتين قويتين من عمق جهة سوس-ماسة، الأولى تتعلق بالقطاع الصحي، والثانية بالحقل الديني. فقد وقف المغاربة هذا الأسبوع على إشارتين ملكيتين من منطقة سوس، تحملان أبعادا مهمة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياقها. تعيين الجنرال طارق الحارثي مديرا عاما للمجموعة الصحية الترابية (GST) بجهة سوس-ماسة لم يأت اعتباطا. فالمنطقة نفسها كانت مسرحا لانطلاقة احتجاجات المستشفيات نهاية السنة الماضية، وشرارة "جيل Z"، كما كانت أول منطقة خرج فيها الرصاص في دينامية احتجاجية اجتماعية في عهد الملك محمد السادس. هذا التعيين يحمل رسالة واضحة، الدولة تراهن على كفاءات أمنية وعسكرية لإدارة قطاعات حيوية مثل الصحة، في إشارة إلى ضرورة فرض الانضباط و التصدي لسوء التدبير والبيروقراطية التي تعاني منها المستشفيات العمومية. وهي مؤشرات توحي بأن الصحة، بعد تداعيات كورونا والاحتجاجات الاجتماعية وأهمية الأوراش الاستراتيجية في هذا القطاع، قد تتحول إلى مجال سيادي بامتياز، على غرار باقي المجالات السياسية التي لا تتردد الدولة الإدارية اليوم في تدبيرها بعيدا عن الحكومة والأحزاب..الجنرال الحارثي، المعروف بحزمه والذي يتولى إدارة مستشفى عسكري بالجهة، مطالب اليوم بتحقيق نقلة نوعية في تدبير القطاع الصحي بسوس، التي كانت مهد احتجاجات تطورت إلى أحداث أليمة. والكثير ينتظره في قطاع اجتماعي حساس يرتبط بصحة وحياة المواطنين. أما الإشارة الثانية، فتمثلت في تعيين اليزيد الراضي أمينا عاما للمجلس العلمي الأعلى، مباشرة بعد عودته من محاضرة ألقاها في "موسم لالة تاعلات" الأسبوع الماضي في عمق بادية سوس. وهذا الموسم، الذي يُعد أكبر ملتقى للفقهاء والمدارس العتيقة بالمغرب، شهد حملات تبديع وتكفير من طرف أصوات سلفية ووهابية لم تتردد في وصف موسم لالة تاعلات بالمواسم الشركية والقبورية، في الوقت الذي تحضر فيه الدولة بكل ثقلها في هذا الموسم، سواء من الناحية التنظيمية لما يشكله من حساسية أمنية تتوجس الدولة من دخول أطراف في تأطير وتوجيه أكبر تجمع للفقهاء وطلبة المدارس العتيقة، كأكبر تشكيلة مرابطة في ثغور حماية الخطاب الديني الرسمي والأمن الروحي للمغرب. تعيين الراضي، وهو فقيه معروف بتوجهاته الوسطية المنخرطة في مشروع التدين الرسمي المغربي، يمكن فهمه كرد ملكي حازم على خطاب التكفير والتطرف، وكرسالة دعم للإسلام المغربي الرسمي القائم على المذهب المالكي وعقيدة الأشاعرة والتصوف السني. كما يُقرأ هذا التعيين كتأكيد من الدولة على الاستمرارية في نفس التوجه الرسمي لتدبير الحقل الديني، وتثبيت لسلطة المجلس العلمي الأعلى كمرجعية دينية وحيدة لا شريك لها في تدبير هذا الحقل والتكلم في الدين، وأن الدولة لا ترى حرجا حاليا في الدفاع عن مظاهر التدين الشعبي. لعل من دلالات التوقيت أن يكون الفقيه اليزيد الراضي، محقق كتاب "الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة" وهو كتاب "فهرسة" بارز للعلامة أبي زيد عبد الرحمن التمنارتي يوثق فيه أسانيد شيوخه، ويُعتبر مصدرًا تاريخيا وعلميا نفيسا يوثق الحركة العلمية والفقهاء في منطقة سوس وجزولة، وهو أبرز كتاب في التدين السوسي ورموزه في تفاعلهم مع التاريخ السياسي والاجتماعي لسوس وجزولة، هو نفسه من اختير اليوم أمينا للمجلس العلمي الأعلى. فهل ستكون لهذه التعيينات الملكية المتزامنة في الحقلين الديني والصحي "فوائد جمة" على أرض الواقع؟ الجواب يتوقف على قدرة الجنرال الحارثي على إخراج المستشفيات من عنق الزجاجة، ومصالحة المواطنين مع الخدمات الصحية العمومية، وقدرة الفقيه الراضي على حماية الثوابت الدينية دون شل الاجتهاد وحق الناس في مساءلة السياسات العمومية الدينية كمجال للاجتهاد والتدافع البشري. فإذا كان التمنارتي قد قدم "الفوائد الجمة" في سوس، فالمطلوب اليوم فوائد جمة في تدبير السياسات العمومية الدينية والصحية، في حماية العقول من خطاب الكراهية والتطرف، ولكن دون كبح الحق في مساءلة السياسات الرسمية وتقييمها، وفي حق المواطن في سوس والمغرب برمته في سياسات صحية عمومية جيدة.. وهذا وجه من وجوه "الفوائد الجمة في إسناد السياسات العمومية للأمة".