أعادت حوادث رشق مركبات بالحجارة وتورط شاب في وضعية تشرد في جريمة أفضت إلى الموت بمدينة طنجة، ملف الأشخاص في وضعية الشارع إلى الواجهة، في مشاهد تعكس امتداد الهشاشة إلى الفضاء العام وتطرح مجددا سؤال نجاعة منظومة الحماية والتكفل. ووثقت مقاطع فيديو متداولة قاصرين يرشقون السيارات بالحجارة من أعلى نفق "مسنانة"، في سلوك يعرض مستعملي الطريق للخطر. وفي حادث منفصل، أوقفت الشرطة شابا يبلغ 19 عاما للاشتباه في تورطه في وفاة شخص بساحة "سور المعكازين"، بعد شجار ليلي انتهى بسقوط الضحية من علو ووفاته لاحقا. وفي مواجهة هذه الوقائع، تنفذ الأجهزة الأمنية، بين الفينة والأخرى، حملات لجمع القاصرين والأطفال دون مأوى وإحالتهم على المصالح الاجتماعية، في تدخلات تروم الحد من تواجدهم في الفضاء العام وإعادة توجيههم نحو مسارات التكفل. غير أن هذا الحضور المتكرر للتدخلات الأمنية، دون أثر دائم في تراجع الظاهرة، يعكس، وفق فاعلين جمعويين، حدود المقاربة القائمة، حيث يظل التعامل منصبا على مظاهر الانفلات أكثر من مسارات إنتاجه. وفي هذا السياق، يرى رئيس جمعية "طفلي" إسماعيل العشيري أن الظاهرة تتشكل قبل ظهورها في الشارع. واعتبر أن الأطفال في وضعية الشارع يصلون إلى هذه المرحلة بعد مسار من الانقطاع والتهميش، ما يجعل المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها، غير كافية في غياب تدخل مبكر داخل الأسرة والمدرسة ومحيط التنشئة. وتعزز هذه القراءة معطيات ميدانية تفيد بعودة عدد من الأطفال إلى الشارع بعد فترات قصيرة من الإيواء، في ما يصفه فاعلون بظاهرة "التسرب العكسي". ويربط العشيري هذا الوضع بضعف المواكبة النفسية والاجتماعية، خاصة في حالات الإدمان والانقطاع المدرسي. وأشار الفاعل الجمعوي إلى رصد حالات متزايدة لأطفال تتراوح أعمارهم بين 6 و13 سنة في "نقط سوداء" داخل طنجة، يعانون الإهمال والإدمان، في مؤشرات تعكس، في نظره، أن منظومة التكفل لا تنجح دائما في تثبيت هذه الفئة خارج الشارع. وتتقاطع هذه المعطيات مع تحذيرات مؤسساتية سابقة؛ حيث نبهت اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة إلى أن الأطفال في وضعية الشارع، إلى جانب فئات أخرى هشة، يظلون عرضة لمختلف أشكال الخطر والعنف والاستغلال. وعلى المستوى المؤسساتي، تشير أحدث المعطيات إلى تعميم إحداث اللجان الإقليمية لحماية الطفولة بقرارات عاملية بلغ عددها 82 لجنة، إلى جانب 43 وحدة لحماية الطفولة بشراكة مع جمعيات. ويتزامن ذلك مع استمرار عمل وحدات الإسعاف الاجتماعي المتنقلة، ومنها الوحدة العاملة بطنجة، في إطار شبكة وطنية للتدخل الميداني. غير أن هذا الإطار، رغم اتساعه، يطرح سؤال الفعالية على مستوى الوقاية. وهو ما يعيد، بحسب العشيري، التأكيد على أن نجاح أي سياسة عمومية يظل رهينا بقدرتها على منع وصول الأطفال إلى الشارع أصلا، عبر مقاربة تدمج بين الحماية والرعاية والتأهيل، بدل الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الانفلات. ويأتي تجدد هذا النقاش محليا في وقت يتحرك فيه الإطار التشريعي وطنيا، بعد مصادقة مجلس النواب المغربي في كانون الثاني/يناير 2026 على مشروع قانون لإحداث "الوكالة الوطنية لحماية الطفولة". وفي خطوة تروم تقوية منظومة التكفل، يظل التحدي العملي في مدينة مثل طنجة مرتبطا بقدرة هذه الآليات على تقليص منسوب الهشاشة قبل أن تتحول إلى وقائع عنف متكررة.