يهاب عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة وزعيم العدالة والتنمية، التاريخ أكثر مما يهاب الأشياء الأخرى، وينزعج ممن يذكره بالماضي بعيدا أو قريبا، وقد أوحى لبعض دراريه بكتابة ذاكرة لأصحابه لم يتحدث هو فيها حتى يتخلص من الماضي الذي يطارده مثلما تطارده الأشباح والعفاريت والتماسيح، ومثلما حاول التخلص من تاريخ انتمائه للحركة الإسلامية وصناعة تاريخ على مقاسه هو اليوم يريد التخلص من تاريخ قريب يمتد لزمن توليه رئاسة الحكومة، ويبدو الزمن عند الإخوان بلا فائدة حيث يسحقونه سحقا ويسعون إلى محو التاريخ وربما قتل المؤرخ حتى لا يعرف لهم أحد أثرا. فعندما حاصرت مجموعات العاطلين حاملي الشهادات رئيس الحكومة، قلنا اللهم إن هذا منكر ولسنا متفقين على إهانة أي مسؤول في الحكومة، لكن مع ذلك قلنا لقد جنت براقش على نفسها ومن زرع الريح لابد أن يحصد الشوك. ما علاقة موضوع حصار بنكيران من طرف العاطلين بالتاريخ الذي يريد بنكيران أن يمحوه ويتمنى ألا يتم تدوينه نهائيا؟ هناك علاقة تربط الموضوعين ربطا وثيقا وود بنكيران لنسي الجميع تاريخه القريب بعد أن تمكن من محو جزء من تاريخه القديم. فبنكيران هو من صنع القضية وهو الآن يؤدي ثمن شعبويته الفارغة. إن ما وقع لبنكيران هو نتيجة أن الرجل لا يريد أن يكون رجل دولة ومسؤولا حكوميا. فهو من بنا الحكومة على استسهال الأمور وتمييعها وبالتالي اختلطت الأوراق ولم يعد أمام هؤلاء إلا التوجه إليه رأسا. فهو من احتج معهم ووعدهم ولم يف بوعده. هذه الأيام وقعت حادثة مثيرة لو يستفد منها بنكيران قد يصلح كل أخطائه التي ارتكبها منذ وصوله إلى الحكومة. مسؤول في بلدية فرنسية خرج في تظاهرة احتجاجية فخلق جوا من الغرابة. ولما استضاف التلفيزيون الفرنسي أحد المحللين قال إن المسؤول لا يحتج وإنما يبحث عن الحلول. فبنكيران أشر على انخراطه في احتجاج العاطلين بمجموعة من المؤشرات، وهي التي جعلت فئات العاطلين تثق فيه، وما كان ينبغي له ذلك كان عليه بحكم موقعه في رئاسة الحكومة أن يتوجه رأسا إلى البحث عن الحلول لمعضلة البطالة في صفوف خريجي الجامعات. فعندما تولى بنكيران رئاسة الحكومة أوحى للمواطن الذي لا يفكك الرموز ولا يفهم ما وراء الخطاب والسلوك على أنه من الشعب وإلى الشعب، بممارسات وسلوكات مشتركة بين طبقات الشعب، فحزبه يضم الوزراء الذين يأكلون البيصارة ويركبون السيارات البسيطة والمتواضعة ويتبضعون من "السويقة". وبعد أن بهتت فكرة الوزراء المتواضعين قام بنكيران بمعانقة العاطلين ومنحهم بطاقة زيارة "كارت فيزيت" وهو سلوك غير مقبول أن يوزع رئيس الحكومة رقم هاتفه على الجميع وكأنه لا شغل له سوى الرد على الهاتف. اليوم اكتشف العاطلون أن بنكيران لم يكن جادا في حركاته تجاههم وبالتالي أصبحوا مصرين على إزعاجه في كل وقت وحين. وبالتالي لا يلومن بنكيران أحد بقدر ما عليه أن يجني العمل الذي قام به بيده. وليس بمستطاعه أن يمحو من التاريخ أنه بالأمس القريب جدا كان يبكي مع العاطلين ويعانقهم ويمنحهم "كارت فيزيت" واليوم يقول لهم "سيروا تضيموا".