ببالغ الأسى والحزن، وبقلبٍ يعتصره الألم على فراق منارةٍ من منارات الفن والعرفان، ننعى إلى أهل الفضل والأدب والتصوف رحيل الخلوق الطاهر، أستاذنا القدير سيدي العياشي الشليح، الذي لبى نداء ربه مخلفاً وراءه فراغاً لا يُسد في سماء السماع والمديح الأندلسي المغربي. وبوفاة العلامة المربي والفنان العصامي سيدي العياشي الشليح، تفقد "فردوس الجبل" شفشاون غصناً يانعاً من دوحة الأندلس، وينطوي بموته السجل الأخير ل "أمين الصنائع"، ذاك الحافظ الأمين الذي صان "الصنائع الشفشاونية الأندلسية اليتيمة" من الضياع، وحمل أمانة الأجداد في صدره حفظاً، وفي صوته أداءً، وفي روحه تقوىً وإخلاصاً. -مسيرة النور: من مسيد "حي السوق" إلى محراب الفن: وُلد الفقيد في فجر الثلاثينيات (1930م) بحي السوق العتيق، حيث تشرّب عبق التاريخ منذ صرخته الأولى. بدأ حياته في رحاب القرآن الكريم تحت كنف الفقيه "محمد البحلثي"، فكان "الكتّاب" منطلق صياغة معدنه الأصيل. ومن عرق الجبين في مهنتي الحياكة والتجارة، صقل شخصيته العصامية المناضلة، قبل أن يهب حياته بالكامل لمحراب التربية والتعليم في كتاتيب شفشاون ومساجدها، معلماً للأجيال ومنوراً للعقول. -السند المتصل: وارث أسرار السماع: لم يكن سيدي العياشي مجرد مؤدٍّ، بل كان "حلقة الوصل" التي ربطت حاضرنا بماضي شيوخ الفن الكبار، أمثال امحمد بن الأمين العلمي، والهاشمي السفياني، ومحمد ورياش، وزميله الشاعر الأريب محمد المختار العلمي. وبانتقاله إلى عفو الله، نودع آخر جيل العمالقة الذين ضبطوا أوزان المديح ومقامات السماع الأندلسي بصرامةٍ ودقة، ليبقى تلامذته البررة، وعلى رأسهم الفنان عبد القادر أفزاز، يحملون مشعله من بعده. -حياةٌ في خدمة "الكلمة الطيبة": لقد بصم الفقيد تاريخ شفشاون الثقافي بروحٍ جمعوية لا تعرف الكلل، فمن الجمعيات المنبثقة عن حزب "الإصلاح الوطني" زمن الحماية، إلى الجمعيات المنبثقة عن "حزب الاستقلال" فجر الاستقلال، وصولاً إلى تأسيس جمعيات الإمام الحلبي، وابن مشيش، والشاذلي، وتأطير البراعم في مهرجانات المديح، ظل سيدي العياشي وفياً لرسالته كأستاذ بالمعهد الموسيقي، يزرع المحبة في القلوب قبل النغم في الآذان. رحل عنا سيدي العياشي الشليح في الثامن من فبراير 2026م، تاركاً خلفه رنيناً شجياً في أزقة شفشاون، وذكراً طيباً في قلوب مريديه. إن رحيل سيدي العياشي الشليح ليس مجرد غياب لجسد، بل هو نداء لكل الغيورين على تراث فردوس الجبل لاستنهاض الهمم، فالحفاظ على ما تركه أمين الصنائع هو البرُّ الحقيقي به، والوفاء الأسمى لمسيرةٍ بدأت بآيات الذكر الحكيم وانتهت بمديح المصطفى صلى الله عليه وسلم. رَحِمَ اللهُ الفَقِيدَ، وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جِنَانِهِ، وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. -محمد البشر العلمي. - Advertisement -