بعد أكثر من 14 سنة على تعيين أعضائه.. تساؤلات حول تأخر تجديد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رغم تعيين رئيس جديد    الارتفاع يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    استيراد أبقار إضافية يعزز تموين السوق باللحوم الحمراء في شهر رمضان    في سابقة تاريخية.. توقيف شقيق الملك في بريطانيا على خلفية قضية إيبستين ورئيس الوزراء يؤكد: لا أحد فوق القانون    وفاة شخص حاول الانتحار برمي نفسه من مكتب علوي بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء        السماح بعودة كافة سكان القصر الكبير    المغرب يجمع منتخبات إفريقيا وآسيا في دورة دولية ودّية بالرباط والدار البيضاء    تحالف انتخابي بلا تعاقد.. هل يغامر اليسار بما تبقى من رصيده؟    الزلزولي ينافس على جائزة أفضل لاعب في الدوري الإسباني عن شهر فبراير    بنزيما: "شهر رمضان يمنحني التركيز والتألق"    عمدة واشنطن تعلن عن حالة طوارئ بعد تسرب مياه للصرف الصحي في نهر "بوتوماك"    آيت منا يراهن على جمهور الوداد لاقتحام دائرة أنفا بالدار البيضاء    الصين ترسخ ريادتها البيئية بنمو 20% في التمويل الأخضر خلال 2025        إنفوجرافيك | 5780 شخصًا.. ماذا نعرف عن الموقوفين على خلفية حراك "جيل زد 212"؟    ملحق أبطال أوروبا.. إنتر يسقط في فخ بودو وأتلتيكو يتعثر ونيوكاسل يكتسح        نقابة تطالب مؤسسة الحسن الثاني للنهوض بالأعمال الاجتماعية بمنح إعانات استثنائية لموظفي الصحة المتضررين من الفيضانات    أجواء باردة في أول أيام رمضان بالمغرب    سامي: الأسرة أساس تناقل الأمازيغية    إنهيار جليدي بكاليفورنيا.. العثور على ثمانية متزلجين متوفين من بين التسعة المفقودين    بمشاركة المغرب.. أول اجتماع ل "مجلس السلام" وهذا ما سيناقشه    ليلى شهيد.. شعلة فلسطين المضيئة في أوروبا تنطفئ إلى الأبد    ارتفاع الإيرادات الضريبية في المغرب إلى 291 مليار درهم ما بين 2021 و2025 وحصتها ناهزت 24.6% من الناتج الداخلي الخام    عملية الإحصاء الخاصة بالخدمة العسكرية تبدأ من 2 مارس إلى 30 أبريل 2026    بنعطية يعود لمرسيليا من الباب الواسع    أخنوش يترأس المجلس الإداري للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي    انطلاق عملية جرد خسائر المساكن والمحلات التجارية لفائدة المتضررين من الفيضانات    السيناتور الأمريكي غراهام يهاجم السعودية ويقول إن "حربها" مع الإمارات بسبب تطبيعها مع إسرائيل    رئيس وزراء إسرائيل الأسبق: تركيا باتت تمثل "إيراناً جديدة" في المنطقة تقود "محورا سٌنيّا" ضد إسرائيل    "مجزرة ضرائب" أم "سلّة إنقاذ"؟ قرارات الحكومة اللبنانية تحرك الشارع    عضو نافذ بالكاف يطلق تصريحات قوية بعد أحداث نهائي "الكان"    "ويفا" يفتح تحقيقا في مزاعم سلوك تمييزي ضد فينسيوس    بيع بطاقة "بوكيمون" نادرة مقابل أكثر من 16 مليون دولار    هل ستبقى السماء زرقاء إلى الأبد؟    وفاة المدافع عن "حقوق السود" جيسي جاكسون    لماذا يجب أن تبدأ إفطارك بتناول التمر في رمضان؟    جديد النظر في "مقتل بدر" بالبيضاء    برقية تهنئة للملك من رئيس فلسطين    متى ندرك المعنى الحقيقي للصوم؟    من الإفطار إلى السحور .. نصائح لصيام شهر رمضان بلا إرهاق أو جفاف    الأستاذ باعقيلي يكتب : "مقدمات" ابراهيم الخديري على مائدة "كاتب وما كتب"    الحسيمة تُفعّل الرقم الأخضر 5757 لمحاربة الغش في الأسعار خلال رمضان    "الأحمر" يلون تداولات بورصة البيضاء    كاتبان مغربيان في القائمة القصيرة ل"جائزة الشيخ زايد للكتاب" في دورتها العشرين    في حفل مؤثر أربعينية الحسين برحو بخنيفرة تستحضر مساره في الإعلام السمعي الأمازيغي وخدمة السياحة والرياضات الجبلية    المتحف محمد السادس بالرباط يحتضن تأملات يونس رحمون... من الحبة إلى الشجرة فالزهرة    إمام مسجد سعد بن أبي وقاص بالجديدة ينتقل إلى فرنسا خلال رمضان 1447ه    وفاة الدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد في فرنسا عن 76 عاماً... صوت القضية الفلسطينية الناعم في أوروبا    إشبيلية .. مركز الذاكرة المشتركة يتوج بجائزة الالتزام الدولي ضمن جوائز إميليو كاستيلار    ارتفاع بنسبة %29 ..مجازر الدار البيضاء تسجل إنتاجاً قياسياً في 2025    مخرجة فيلم "صوت هند رجب" ترفض جائزة مهرجان برلين وتتركها في مكانها "تذكيراً بالدم لا تكريماً للفن"    تقرير دولي: هشاشة سوق الشغل وضعف الحماية الاجتماعية على رأس المخاطر التي تواجه المغرب    القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    حجية السنة النبوية    الأسرة من التفكك إلى التماسك في رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



آفة الغش المدمرة
نشر في العمق المغربي يوم 11 - 01 - 2019

في عالم متقلب ولا يستقر على حال، عالم انقلب إلى ساحة للمعارك وانعدم فيه الحس الإنساني. عرف المجتمع المغربي كغيره من المجتمعات العربية والأجنبية في ظل العولمة والثورة التكنولوجية، عدة تطورات سريعة وتحولات عميقة، ساهمت في التخلي عن عدد من العادات والخصال الحميدة، التي تربى عليها الآباء والأجداد. وأصبحت المبادئ والقيم الأخلاقية الرفيعة عبارة عن شعارات للاستهلاك، تقابلها ممارسات مشينة.
ذلك أن منظومة القيم ما فتئت تتردى، وبدا ما تعود عليه الناس من تضامن وتعايش وصدق وقناعة وغيرها ينسحب أمام عيونهم، وسادت قيم سلبية مخالفة لما عبر عنه الدين وكبار الفلاسفة والعلماء. وصار التعامل الإنساني والثقافي محكوما بالعنف والتسلط والأنانية والخيانة وحب المال، وضرب جدار فاصل بين الفكر والسلوك وبين المتوارث من قيم أخلاقية نبيلة كحب الوطن وروح المسؤولية والمودة…
والغش خلاف الأمانة والاستقامة والصدق. وهو نوع من الانصياع لرغبات ذاتية تروم تحقيق مكاسب غير مشروعة: مراكمة الثروة أو النجاح بدون جهد واجتهاد أو التملص من الواجب… ويقوم على الاحتيال والتضليل والخداع والتمويه والتحايل على القانون، كإظهار مزايا الشيء وإخفاء عيوبه، وتزوير تواريخ المواد الفاسدة… نلقاه في البيوت والأسواق والمدارس والملاعب الرياضية والمعامل والمحلات التجارية والإدرات العمومية والمؤسسات الخاصة. وهو نقيض النصح، ومأخوذ من الغشش: المشرب الكدر. وهو إبداء الشخص لغير ما يخفيه، أو خلط الأشياء بما دونها قيمة. واصطلاحا هو إحدى الظواهر المنحرفة التي تتعدى قيم ومعايير الشرع وتخلف أثرا سلبيا على مظاهر الحياة، أو مزج الرديء بالجيد. أما في ما يرتبط بالاصطلاح التربوي، فهو تزييف النتائج المرتبطة بالتقويم، أو محاولة المترشح للامتحان الحصول على أجوبة للأسئلة بطرق ممنوعة.
ويعد الغش من بين أخطر المعضلات المتفشية في مجتمعنا، والمترسخة في أذهان الكثيرين منا كبارا وصغارا، إناثا وذكورا، أفرادا وجماعات، رؤساء ومرؤوسين…. وإذا كان علماء النفس يجمعون على أن الغشاش غالبا ما يكون ذا شخصية مرضية، يفتقر إلى قيم الرضى والقناعة، ويخضع للأهواء والأطماع سواء من أجل الارتقاء الاجتماعي أو الكسب المالي غير المشروع. فإن علماء الدين يرون فيه آفة مجتمعية وظاهرة سلوكية مرفوضة، لا تنضبط للقوانين وتتعارض مع تعاليم الدين وأحكام الشريعة، تولدت عن تضخم الأنانية وتراجع قيم التكافل والتضامن وغياب روح المواطنة والحس بالمسؤولية. فضلا عن أنها ظاهرة إنسانية ترتبط بما نشأ عليه الفرد، وذات عواقب وخيمة على المذنب والمجتمع، الذي يؤدي فاتورة هذا الانحراف الأخلاقي، باعتباره أحد مظاهر الفساد الذي يضر باقتصاد البلاد.
وبالنظر إلى ما له من خطورة على الفرد والمجتمع، حرم الإسلام الغش بجميع أصنافه ومختلف ألوانه، سواء في البيع والشراء أو في تطفيف الكيل والميزان أو في الامتحانات أو في الزواج وسواه… واعتبره رجال الدين شكلا من أشكال أكل أموال الناس بالباطل، مشددين على ضرورة تحري المسلم الصدق في معاملاته والسعي إلى الرزق الحلال بطرق مشروعة، حتى نتمكن من بناء مجتمع سليم على أسس متينة، مجتمع متماسك تسوده قيم التسامح والتعاون والشفافية والنزاهة ويتراجع فيه معدل الرذيلة. ولا غرو أن نجده محرما بنص القرآن الكريم، حيث قال الحق سبحانه في (سورة البقرة: الآية 188): “ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل…” وتوعد في آية أخرى من كتابه العزيز أهل الغش بالويل والخسران، فقال: “ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنزهم يخسرون” (سورة المطففين: الآية 1-3). وجاء التأكيد على تحريمه والتحذير من ممارسته في عديد الأحاديث النبوية الشريفة، ولعل أشهرها قوله عليه الصلاة والسلام: “من غشنا ليس منا”، إذ أراد أن ينهى من خلاله عن انتهاك حقوق الناس وعدم التدليس عليهم، بإظهار محاسن الأشياء وإخفاء عيوبها في البيع والشراء وجميع المعاملات، تجنبا لأكل أموالهم دون موجب حق…
ويحز في النفس الاستمرار في ترديد الشعارات مثل “محاربة الفساد” أو “تخليق الحياة العامة”، دون أن تكون لنا الجرأة والإرادة السياسية في ترجمتها على أرض الواقع. فأين نحن من وعود الحزب الإسلامي الحاكم “العدالة والتنمية”، الذي يقود الحكومة لولايتين متتاليتين؟ ثم ألا تعتبر المتاجرة بالدين من أخطر أنواع الغش؟ وإلا ما معنى أن يتحول الحجاب إلى مجرد لباس للتضليل وحصد الأصوات الانتخابية واستنزاف المال العام من تعدد التعويضات في البرلمان؟ للأسف الشديد، أن الفساد وضمنه الغش لم يزدادا إلا استفحالا في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والفلاحية والصناعية…
وليس الغش معصية وحسب، فهو أيضا جريمة في حق الفرد والمجتمع، لاسيما بعد أن امتدت يده إلى الامتحانات، وصار المتعلمون يعمدون إلى ابتكار أساليب متطورة وتسخير تقنيات التكنولوجيا، ضاربين عرض الحائط بالقيم التربوية والأخلاقية، وبالنصوص القانونية والتشريعية الزجرية. فأي خير يرجى ممن يحصل على شهادة علمية أو منصب المسؤولية دون استحقاق خارج مبدأ تكافؤ الفرص؟ وهل ننتظر منه أن يكون أمينا على المال العام، ونحن نشهد على ما يجري من ظلم وأمراض وأوبئة اجتماعية بفعل الممارسات الدنيئة، التي تجعل بلادنا قابعة في أسفل مراتب التنمية البشرية؟
علينا جميعا تحمل مسؤولية تفشي آفة الغش، وأن نعمل جاهدين على التصدي لها والحد من أضرارها وآثارها، فقد تكون نتيجة التقصير الحاصل في أداء الدور التربوي والتوجيهي، من لدن الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام وكافة مؤسسات التنشئة الاجتماعية..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.