أخطر ما يواجهه المنعشون العقاريون وصناع القرار المحلي في طنجة اليوم ليس الهتافات في الشارع، بل المذكرات القانونية الباردة التي تصدر عن مكاتب "مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية". فبينما ظل العمل المدني، لسنوات طويلة، مرادفا للاحتجاج العاطفي، جاء هذا الكيان ليقلب الطاولة عبر تغيير قواعد الاشتباك؛ إذ استبدل مكبرات الصوت بخرائط الطبوغرافيا، واستعاض عن بيانات الشجب بدراسات الأثر البيئي، وبذلك نقل المعركة من الشارع إلى النصوص المنظمة. وعندما تأسس المرصد سنة 2012، بدا الرهان، للوهلة الأولى، خاسرا أمام جرافات لا تتوقف. غير أن القائمين عليه أدركوا مبكرا أن المناضل التقليدي انتهى زمنه، وأن المدينة لم تعد بحاجة إلى صوت مرتفع بقدر ما تحتاج إلى مدقق جنائي يفهم لغة الأرقام والبنود القانونية بالقدر نفسه الذي يتقنه التقنوقراط المشرفون على مشاريعها. ومن ثم، فإن هذا التحول من النشاط إلى الخبرة لم يكن مجرد تعديل في الأسلوب، بل إعادة تعريف لوظيفة الفاعل المدني نفسه. لذلك اكتسبت تقارير المرصد هالة من السلطة المعنوية؛ لأنها لا تخاطب العواطف، وإنما تحاصر المسؤولين بتناقضاتهم القانونية والتزاماتهم الموثقة. وبناء على ذلك، لم يكن غريبا أن يتحول هذا الإطار، الذي يضم أكاديميين ومحامين ومهندسين، إلى ما يشبه وكالة تصنيف غير رسمية لسياسات المدينة. فعندما ينشر المرصد تقريره السنوي عن حالة البيئة والمآثر، يسود، في المقابل، صمت الترقب داخل المكاتب الرسمية. ذلك أن المعادلة التي فرضها واضحة: التراث ليس أحجارا ميتة، كما أن الغابة ليست وعاء عقاريا قابلا للتفويت، بل هما رأسمال لامادي يحدد جودة الحياة ويؤطر اختيارات التنمية. ومن هنا، فإن مبادراته، التي تتجاوز منطق الرفض إلى منطق الاقتراح، جعلته شريكا موضوعيا في صياغة الحلول، حتى لدى من يختلفون معه أو ينزعجون من حضوره. وفي هذا السياق تحديدا، جاء إدراج اسم المرصد ضمن قائمة استطلاع "طنجة 24" لشخصيات العام بمثابة نتيجة جانبية، لا حدثا مؤسسا بحد ذاته. إذ إن هذا الظهور في لوائح التصويت الجماهيري لا يمثل سوى مؤشرا على مسار أعمق؛ فبفضل العمل التراكمي الذي قام به، تسرب الوعي البيئي الذي دافع عنه إلى النقاش اليومي للناس. وبالتالي، لم يصنع الاستفتاء نجومية المرصد، بل اكتفى بالتقاط صداها بعدما بلغت الفكرة المجال العام. وعلى هذا الأساس، يعمل المرصد اليوم كضمير تقني وسط ضجيج المصالح الكبرى. فهو، من جهة، يعتمد النفس الطويل، ومن جهة أخرى، يدرك أن معارك البيئة لا تحسم بضربة قاضية، وإنما عبر تراكم بطيء لنقاط صغيرة: مخطط تهيئة يعدل، سور تاريخي يرمم، أو منطقة رطبة تنجو من الردم. وهكذا، يتجسد تأثيره في تفاصيل قد تبدو محدودة، لكنها، في مجموعها، تعيد توجيه بوصلة القرار. وخلاصة القول، إن قصة مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية تعكس شكلا من أشكال النضج الديمقراطي الهادئ. فهي تثبت أن السلطة المضادة الأكثر فاعلية لا تقوم على الشعارات، بل على ملفات معدة بإحكام، وحجج قانونية دامغة، وقدرة مستمرة على قول لا بلغة يفهمها مهندسو الخرائط وصناع القرار. وبذلك، فإن صناعة الفرق لا تتحقق بالضجيج، وإنما بالتماسك والاتساق والتراكم.