توقيف ثلاثة أشخاص في سلا بسبب تبادل الضرب والجرح بالسلاح الأبيض إثر سرقة هاتف نقال    "أشبال الأطلس" في مواجهة الجزائر الجمعة المقبل ضمن بطولة شمال إفريقيا بليبيا    تعاون مغربي اسباني يقود لتفكيك خلية إرهابية موالية لتنظيم "داعش"    هزتان أرضيتان خفيفتان تضربان بحر البوران قبالة سواحل الريف        "البيجيدي" يدعو للتحقيق في الزيادات المتزامنة العالية لشركات المحروقات وإشكالية المخزون الاستراتيجي    أنفوغرافيك | مؤشر الديمقراطية عام 2026 يضع المغرب في المرتبة 107 عالمياً    رئيس وزراء إسبانيا: إسرائيل ترغب في تدمير لبنان مثلما فعلت بغزة    رئيس ألمانيا: الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران تنتهك القانون الدولي.. والثقة في السياسة الأميركية تتآكل عالمياً    ملك الدنمارك يتوصل باستقالة الحكومة    أخنوش: كرامة المدرسين مدخل أساسي لإصلاح منظومة التربية والتكوين    زخات رعدية قوية في أقاليم بالمغرب    المنتدى الوطني للمدرس يسلط الضوء على دور الأستاذ في التحول التربوي        ماركا: المنتخب المغربي أصبح "المنتخب الثاني" المفضل عالمياً لدى الجماهير    النفط يهبط بقوة مع توقعات تهدئة في الشرق الأوسط    تطورات جديدة في قضية ابتزاز سائح وزوجته في مراكش.. الشرطة تستدعي الضحيتين للتعرف على المشتبه به بعد توقيفه        ملحق التصفيات الأوروبية المؤهلة لمونديال 2026.. برنامج نصف النهائي    انتخاب ابن دكالة فؤاد مسكوت رئيسا للاتحاد العربي للمصارعة    أزمة ثقة داخل الاشتراكي الموحد.. تيار جديد يتهم والقيادة تنفي وتكشف معطيات مالية    انتخاب المغربي خالد تينستي لصياغة مستقبل سياسة المخدرات الدولية في 2027    3 ملايين يورو مقابل التنازل.. دفاع سعد لمجرد يفجر مفاجأة "الابتزاز" أمام محكمة باريس    الخطوط الملكية المغربية تبرز توسعها وربطها الدولي خلال ندوة حول البرازيل والبلدان العربية    اختصاص محكمة التحكيم الرياضي مراقبة حسن تطبيق القوانين واللوائح    بعثة "الأسود" تشد الرحال اليوم الأربعاء إلى مدريد استعدادًا لمواجهة الإكوادور وديا    بعد ‬أن ‬أطفأ ‬وزير ‬الصحة ‬نيران ‬غضب ‬الصيادلة.. ‬مجلس ‬المنافسة ‬يشعلها ‬من ‬جديد    باحثون صينيون يطورون الكتروليت جديد يضاعف أداء بطاريات الليثيوم    صندوق ‬النقد ‬الدولي ‬يؤكد ‬أن ‬الاقتصاد ‬المغربي ‬يواصل ‬إظهار ‬‮«‬مرونة ‬كبيرة‮»‬    إعادة ‬تكوين ‬القطيع ‬الوطني..‬    التقدم والاشتراكية ينتقد "سلبية" الحكومة في مواجهة غلاء الأسعار    هل ‬تؤثر ‬حرب ‬الخليج ‬على ‬زخم ‬مسار ‬التسوية ‬لملف ‬الصحراء ‬المغربية ‬؟        "غوغل" تعلن سد ثغرات أمنية خطيرة في "كروم"    المغرب وإسبانيا يفككان خلية إرهابية موالية ل "داعش" في عملية أمنية مشتركة    الدرك الملكي بالجديدة يفكك شبكة لترويج مسكر ماء الحياة بجماعة سيدي علي بنحمدوش    طائرات مسيرة تستهدف خزان وقود بمطار الكويت الدولي ما تسبب في اندلاع حريق    أجواء ممطرة في توقعات اليوم الأربعاء بالمغرب    تمديد مدة الملتقى الدولي للفلاحة إلى 9 أيام بمشاركة 70 دولة و1500 عارض    قتيلة بقصف من لبنان شمال إسرائيل    المغادرون بصخب.. التدليس السياسي بنيةً لا حادثة في المشهد السياسي المغربي    في المناخ الحربي الذي يسود المنطقة ويرفع من نسبة التهديدات .. تقرير دولي يرتب المغرب بلدا دون آثار الإرهاب    بمناسبة اليوم العالمي.. وزارة الصحة تكشف نسب حالات السل الجديدة بالمغرب    كعك العيد: طقس تاريخي بتكلفة متصاعدة وتحذيرات صحية    باب الكبير يحتضن معرضا فنيا جماعيا بالريشة والصورة    الإعلام كسلاح من أجل هندسة الوعي في زمن الحرب والعدوان    فتح باب الترشيح للاستفادة من دعم الموسيقى والأغنية والفنون الاستعراضية و الكوريغرافية برسم الدورة الأولى من سنة 2026    هذا المساء في برنامج "مدارات" بالإذاعة الوطنية من الرباط :نظرات في سيرة محمد بن أحمد اشماعو، أديبا وباحثا في التراث الشعبي المغربي    "وردة" تجمع "Inkonnu" ومنال بنشليخة    بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة السل.. وزارة الصحة: 53 في المائة من حالات السل الجديدة المسجلة بالمغرب خلال سنة 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    وزارة الصحة: أكثر من نصف حالات السل الجديدة في المغرب عام 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    "جنة إيطاليا" رواية للكاتب جمال الفقير.. قراءة في عمق التجربة الإنسانية    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التوفيق يكشف علاقة الدين بالتنمية.. ويقدم للملك 20 ختمة مغربية للقرآن في الدرس الأول لسلسة الدروس الحسنية
نشر في العمق المغربي يوم 11 - 05 - 2019

ترأس الملك محمد السادس، مرفوقا بولي العهد الأمير مولاي الحسن، والأمير مولاي رشيد، والأمير مولاي إسماعيل، أمس الجمعة بالقصر الملكي بالرباط، الدرس الأول من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية “لاماب”.
وألقى الدرس الأول، أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، متناولا بالدرس والتحليل موضوع “استثمار قيم الدين في نموذج التنمية”، انطلاقا من قول الله تعالى في سورة آل عمران “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”.
أحمد التوفيق قدم إلى الملك تسجيلا صوتيا يضم 20 ختمة للقرآن الكريم بأصوات القراء المغاربة، وفي هذا التسجيل 17 مقرئا سجل كل واحد منهم المصحف كاملا بقراءة ورش، أقدمهم المقرئ الحاج عبد الرحمان بنموسى رحمه الله، و4 قراء سجلوا المصحف بالاشتراك، و30 قارئة سجلت كل واحدة منهن حزبين، والقراءة الجماعية للحزب الراتب من ستين مسجدا من مساجد المملكة.
وفي الدرسة الأول لسلسلة الدروس الحسنية، أوضح التوفيق أن علاقة الدين بالأخلاق لم يعد ينظر إليها بالنظر الفلسفي المتشكك، لأن الدراسات الحديثة لهذه الظاهرة تنطلق من كون الديانات التي تعتمد الكتب المنزلة، لها مرجعيتها في مسألة أصل الخير والشر، مضيفا أن القصد بقيم الدين في الإسلام هو كل ما ورد في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة من أحكام وأخلاق، على حسب الفهم الغالب عند الجمهور.
وبين المحاضر مدلول مصطلحي “التنمية” و”النموذج” الواردين في عنوان الدرس، حيث أن مصطلح التنمية، كما نستعمله اليوم بمعنى الزيادة في القيم المختلفة، أموالا كانت أو غيرها، فمعناه متضمن في التزكية، ولكن التزكية تزيد عنه بمعنى الطهارة، وتعني في باب المال سلامة وجه اكتسابه وصواب وجه إنفاقه. أما مصطلح “النموذج” فالكلام عنه مبرر من وجوه، منها أن الدين في اعتقاد أهله نموذج في حد ذاته، لكمالة وتوافق عناصره، ومن ثمة فأسلوب العيش الذي يقترحه لا يمكن أن يكون إلا نموذجيا.
وأشار في معرض تناوله للمحور الأول المتعلق ب”مستند الحديث عن علاقة قيم الدين بنموذج التنمية”، إلى أن الإشارة إلى مصطلح معبر عن النموذجية في حياة الأمة بشروطها يوجد في قوله تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله”، موضحا أن المعروف هنا، وبقراءة عصرنا، يمكن أن يصدق على كل الأعمال المؤطرة بالقوانين والتأسيسات التي تتبناها الجماعة لصالحها، ما لم تناقض حكما قطعيا في الشرع، سيما إذا أخذنا بأن الجمهور يقابله اليوم ما يسمى بالأغلبية.
وحسب المحاضر، فإن مفهوم الأمر بالمعروف مفهوم عظيم جاء ليؤسس حياة المسلمين على اليقظة الدائمة من أجل القيام على البناء المستدام، وعلى الإصلاح من أجل المعالجة المستمرة لأنواع الفساد، مضيفا أن المسلمين فوتوا على أنفسهم فرصة الاستفادة التاريخية الكبرى من هذا التوجيه لأسباب، منها على الخصوص، عدم التدبر الكافي لسنن الكون، ومنها سنن التاريخ، وعدم توفر الشروط المادية المتوفرة اليوم لتفعيل وازع السلطان، أي سلطة القانون.
وأضاف أنه يمكن القول بأن الآية بحدودها أو عناصرها ترسم نظاما جماعيا أو بالأحرى نموذجا، في إطار منافسة الأمم الخيرية التي هي غاية النموذج، وإنها تضع لذلك النموذج شروطا تلتزم بها الأمة، لا لمجرد التفوق في الخيرية على الناس، بل بقصد الاقتداء الذي يتطلبه العالم. فشروط هذا النموذج تهم الإطار الذي يتحكم في الاقتصاد من جهة التدبير السياسي، إنه نموذج مفترض يقتضي أن تتحمل فيه الدولة المسئولية في توجيه البناء والإصلاح.
وفي المحور الثاني المتعلق ب”النموذج الاقتصادي في العهد المؤسس وما بعده”، أوضح المحاضر أن آلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحيل على صرح شامخ من أخلاق القرآن، مبني على الأحكام والقواعد في موضوع الواجبات والمسئوليات والجزاءات، ودعامته توجهات تتعلق بالدوافع والنوايا والاجتهادات، تشمل الفرد والعائلة والجماعة، كما تشمل الأخلاق والتصرفات على مستوى التزامات الدولة.
وحسب التوفيق، فإن التاريخ يخبرنا أن هذه الآلية اشتغلت في العهد النبوي، لقوة الوازع، أي بفضل التأثير القوي للجملة التي بعث من أجلها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تلاوة الآيات والتزكية وتعليم الكتاب والحكمة، علما أن تفعيل هذه الدينامية عرف تعثرا بعد العهد النبوي.
وأبرز المحاضر أن القرآن الكريم يقر الملكية، ولا يتعرض على التفاوت، ولا يثني على المترفين إذا كانوا كافرين بالنعمة، يرضى عن الفعالية التجارية ويستنكر الغش والخداع، يحرم استغلال ضعف الناس بمضاعفة فوائد القروض، يحض على الزكاة كوجه لتثمير الأموال وإسعاف المعوزين. أما نصوص السنة فقد ورد فيها ما يفيد بأن الحق في الملكية قد يكون محدودا لبعض الاعتبارات، كما ورد فيه تحريم الغرر والربح الناتج عن الصدفة، ومنع الاحتكار وبيع الجزاف.
وبصفة عامة، فالأحكام الاجتماعية، في الإسلام في عهده التكويني، تصور المثل الأعلى الاجتماعي الذي بلغه النبي صلى الله عليه وسلم، وتقبلته فئات وشرائح اجتماعية في عصره. إنه نموذج كوني شكل المثل الأعلى للبشرية، وقد جاء التاريخ ليصدق كونيته عندما قامت بأوروبا في القرن الثامن عشر اعتراضات على امتيازات ناشئة عن التبعية لطبقة معينة، وتبلورت صياغة هذه الاعتراضات في الاحتجاج على الامتيازات الناشئة عن تملك وسائل الإنتاج.
وقد ذهب الدارسون المعاصرون -حسب التوفيق- إلى القول بأن النظام الإسلامي كان أكثر نجاعة ما دامت عولمة الاقتصادات ضعيفة، مع ما صاحب ذلك من غياب مؤسسات قانونية رسمية، مضيفا أن تاريخ الإسلام عرف قيام مؤسسات سياسية وتدبيرية كثيرة، أشهرها القضاء والحسبة، أما الجماعات، ولاسيما في المغرب، فقد وضعت لنفسها ضوابط ترسخ المعروف المرجعي للتعامل ولفض النزاعات بالتي هي أحسن، حيث يسمى جانب من هذا المعروف عندنا بالعمل أو أزرف.
وفي المحور المتعلق ب”البحث عن علاقة القيم بالاقتصاد خارج سياق الإسلام”، أبرز المحاضر أن البحث الفلسفي حول هذا الموضوع، والذي امتد عبر أربعة قرون، انتهى موضوعيا، وبقطع النظر عن المرجعية، إلى مضمون الآية القرآنية في توقف إصلاح الجماعة على ضرورة وجود أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، تتبناه الجماعة لغاية طلب الحق والعدل. غير أن الإقتصاد، لاسيما في القرنين الأخيرين في الغرب، قد ذهب في اتجاه ليبرالي، بفلسفة جوهرها أن الحرية في اكتساب المال وترويجه ستعود بالنفع على الجميع.
وسجل وزير الأوقاف أن هذا التطور في الغرب واكبه استفحال تيارات فكرية مادية تقوم على الفصل بين الدين وبين التدبير العمومي للحياة، لاسيما في باب ثروة الأمم الإقتصادية التي اتخذت التعبير عنها لغة الأرقام، وظهر وكأن السلوك الإقتصادي عقلاني محض لا تؤثر فيه المعتقدات.
وبين أن ماكس فيبير أعاد بأطروحته المنشورة عام 1905 حول “الرأسمالية والأخلاق البروتستانية”، النقاش حول تأثير قيم الدين في الإقتصاد، حيث ذهب إلى القول بأن التفسيرات الدينية لطائفة البروتستانت قد تحكمت في سلوكاتهم الإقتصادية بخصوص الادخار والإستثمار. غير أن الباحث الألماني إرنست طرولتش مؤسس السوسيولوجيا الدينية، أغنى وعدل أطروحة فيبير وبين أن تأثير الدين في الإقتصاد لا ينحصر عند ثنائية البروتستانت والكاتوليك، بل ظهر في ديانات أخرى في أوقات وأزمنة مختلفة.
وأشار إلى أنه بعد الرائدين فيبير وطرولتش، لم يتجدد الإقتناع عند الإقتصاديين بأن الدين، باعتباره العامل المهيكل الأول للثقافة، له تأثير هائل في آليات النمو الإقتصادي، إلا في أوائل القرن العشرين، مضيفا أن الأبحاث الميدانية توالت في هذا الموضوع عبر بلدان العالم، وأبرزت أنه لا توجد ديانة غير مواتية في جوهرها للنمو الإقتصادي، كما أنه لا توجد ثقافة فردانية بالكامل ولا جمعوية بالكامل، وأن التحاليل الميدانية تظهر أن الدين يستمر، في العصر الحديث، منبعا للخير العمومي في مستوى المجتمع ككل، من حيث تمكين المجتمع من التناغم والتلاؤم حول عدد من النقط المتقاسمة داخل الجماعة.
وبخصوص المحور الرابع “آفاق استثمار قيم الدين في نموذج التنمية”، سجل التوفيق أن الغاية من استثمار قيم الدين في نموذج التنمية أمران متلازمان: الزيادة في ثروة الأمة والتخفيف من وطأة الفقر، مبرزا أن المقصود بالإستثمار هنا التزام الفاعلين الإقتصاديين بمقتضى القيم المندرجة في الواجبات، ثم بتلك التي من قبيل المندوبات، متسائلا في هذا الصدد: من يتعين عليه أن يقوم بهذا الإستثمار؟.
وبعد أن بين أن إعمال المعروف على مستوى الجماعة هو الذي يفضي إلى بناء المؤسسات، أوضح أن ذلك يعني أن الإمارة، أي الدولة، هي التي يرجع إليها الدور الأول في استثمار قيم الدين، إذ أن الدولة هي صاحبة الإختصاص في الأمر بالمعروف على مستوى الجماعة.
وسجل أن الفكرة السائدة عند المسلمين حول مركزية دور الفرد في الدين أبانت عن محدوديتها، إذ تبين ضعف التزام الأفراد في عدد من الحالات، لأن الأفراد محكومون بظروف البيئة السياسية والإقتصادية، وللدولة وسائل ليست لغيرها في وضع القانون المناسب، وفي التصرف لخلق البيئة السياسية والإجتماعية المناسبة للتدين العام.
واعتبر أن المنتدبين الفعليين لتقوية الوزاع بالحكمة والموعظة الحسنة هم أصناف من المربين، الشرط فيهم أن يكونوا قدوة مؤثرين بالقول والفعل، وهم في المقام الأول العلماء الذين يقومون بأمانة التبليغ، ويحرصون على إقناع الفرد بمصلحته دون إعدام حريته التي هي شرط صحة عبادته، وينتظر من تدخلاتهم أن تجيب عن الأسئلة العادية وأن تعالج بعض القضايا الأكثر أهمية، أولها الشرح بأن وجوه صرف الزكاة هي المذكورة في القرآن، ومقاصدها اجتماعية، بينما يؤدي الناس الضرائب مقابل الخدمات التي تنجزها الدولة أو الجماعات، فالضريبة على هذا الأساس حق يتعين الإمتثال له.
وأكد المحاضر أن ثاني هذه القضايا يتمثل في ضرورة قيام العلماء بإبراز التأثير المدمر للرشوة على الاقتصاد، بحيث يتوجب اعتبارها منكرا من المناكر الكبرى، فيما الثالثة تشير إلى أنه يتعين على العلماء القيام بشرح ظاهرة الربا شرحا اقتصاديا، وبيان أن الحل الموضوعي لها في بلد معين يكمن في تقوية اقتصاد ذلك البلد، بتقريب الشقة بين العرض والطلب.
وأبرز أنه يشارك العلماء في مسؤولية التبليغ والإقناع، أصناف القائمين على طرق التزكية الروحية، ومتدخلون آخرون، على رأسهم الآباء والأمهات والمعلمون في المدارس والإعلاميون، موضحا أن المرجع في تقاسم هذه المسؤولية هو الحديث الشريف الذي جاء في أوله “كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته”.
وبخصوص أبرز العائدات المادية للأمر بالمعروف فهي مرتبطة -يقول التوفيق- على المستويين الفردي والجماعي، بالوقاية وبتجنب التبذير أي بالتدخل للتقليل من كلفة المنكر على الجماعة، مشددا على أنه بينما تؤدي الإمارة دورها في إعمال المعروف بواسطة القانون بناء على الاجتهادات المطلوبة، وفي ما لا يناقض أحكام الدين التي لا اجتهاد فيها، فإن دور الأفراد في اصطناع المعروف ينبع من مخافة الله، أي بدافع الوازع الذي هو إرادة مبنية على الخوف والرجاء، وأشار إلى أن هذا الدور يصب على الخصوص في صيانة الفرد لكل ما هو أمانة إلهية عنده، لايحاسبه عليها قانون.
وفي معرض تطرقه للمحور الخامس “التدين في مرآة النمو ونموذج النمو في ميزان الدين”، فقابل التوفيق في واقع المسلمين بين وجهي الموضوع، الدين من خلال قيمه والتنمية من نموذجها المأمول، بحيث أكد أن المسلمين في القرنين التاسع عشر والعشرين استيقظوا على انحطاطهم المادي أمام الغرب، مضيفا أنه بينما ظل سوادهم الأعظم لا يقبلون الواقع الرهيب ولا يفهمون أسباب نزوله بهم، أخذ بعض النبهاء منهم يتساءلون، ومن هؤلاء المفكر شكيب أرسلان في كتابه “لماذا تأخر المسلون ولماذا تقدم غيرهم؟”.
وأشار إلى أنه استنتج كغيره، أن ما وقع من تأخر للمسلمين ترتب عن عدم الأخذ بسنن الكون المبنية على السعي والاجتهاد، والتي جاءت واضحة المعالم في الكتاب المبين، وعن تفشي الجهل وقلة العلماء المؤثرين وعن جمود العقول على القديم ليخلص إلى أن العلة الكبرى في التأخر هي فساد الأخلاق، “وهو أمر تقع مسئوليته على المتدينين لا على الدين”.
وأكد التوفيق أن الدين هو البرنامج والتدين هو التنفيذ، على أساس فهم سديد يسانده الإجماع، مضيفا أن العلماء قرروا أن آية سورة آل عمران يمكن أن يستشهد بها في باب الإجماع، حيث أشار إلى أن تأخر التنمية في بعدها السياسي ثم في بعدها المادي، يدل على ضرورة توفير شروط العمل بالدين في حياة الجماعة “وهي المطلوبة في النموذجية”.
وقال إن أي نقص في هذا الباب قد يكون مؤشرا على أحد الأمرين أو عليهما معا، النقص في توفير شروط التدين والضعف في نجاعة الكلام في منابر الدين، موضحا أن الدين لا يعيق تنمية معينة ولكن ضعف التنمية يكشف عن الخلل في نوعية التدين.
وأوضح أنه، وفي المملكة الشريفة، فالبرنامج المؤسس للبيعة الشريفة برنامج جامع للرأسمال اللامادي القابل للاستثمار في دعم نموذج تنمية يهدف إلى الزيادة في الثروة، مشيرا إلى أن العلماء المسلمين اعتبروا أن الإمامة العظمى يجب أن تضطلع بمهمات سموها كليات الشرع الخمس، وهي حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ المال وحفظ العرض، ويجب النظر إلى هذه المنظومة على أنها وحدة شاملة.
ويتعين -حسب المحاضر- اعتبار حفظ المال بمعنى التنمية الاقتصادية العنصر الأهم في نموذج تنموي تسهم فيه قيم الدين، ويأتي بعده حفظ العقل لأن الناس إذا كانوا في بيئة تلتزم بالأخلاق في المال فإن نفوسهم تطمئن على أساس وجود فرص الاستحقاق.
وأوضح أن سداد سياسة الإمامة القائمة على أساس بيعة ترعى كليات الشرع يتجلي أساسا في فتح أوراش البناء التي تدخل في الأمر بالمعروف، وإقامة مؤسسات الإصلاح التي تدخل في النهي عن المنكر، ووضع أمانة تبليغ قيم الدين على عاتق العلماء، ورعاية أحوال المحتاجين عبر برامج اجتماعية، وإعطاء الإشارات للميسورين لبسط اليد بالتضامن، وهي مؤشرات لتحقيق نموذج تنمية يستلهم من أربع توجهات قيمية وهي حفظ المال في طهارته من حيث وجه الاكتساب، وحفظ التدين من الفتنة بحسن التبليغ وحفظ الكرامة، وفتح آفاق تربية تخدم حسن استعمال المال على المستويين الفردي والجماعي، ووضع حياة الأمة في مسلك تربوي مبني على خلق الاعتدال.
وأوضح أن الأساليب التقنية لوضع مقاولات وتنميتها هي متداولة، غير أن وضع نموذج تنمية جذاب للمقاولات هو بالدرجة الأولى بلد طيب المعيشة لأهله، ويزيد تميزا إذا أخذنا بالقيم التي ذكرنا في الإنتاج والتوزيع والاستعمال، وهو نموذج تكرر الوعد به في القرآن على قدر سمونا في التدين، لا بمجرد انتمائنا للدين.
وخلص التوفيق بالقول، إنه عندما نزل قول الله تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس” فهمه الصحابة رضوان الله عنهم في بعده الإنساني، باعتبار الإنسان هو حجر الزاوية في كل إصلاح، فقالوا وفق ما جاء في تفسير الطبري: خير الناس معناه “خير الناس للناس”، فأنعم بها من غاية مثلى لكل نموذج تنمية تستثمر فيه قيم الدين.
وفي ختام الدرس الافتتاحي من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية، تقدم للسلام على الملك محمد السادس، كل من الأساتذة شوقي علام مفتي الديار المصرية، وبهاء الدين محمد جمال الدين الندوي نائب رئيس جامعة دار الهدى الإسلامية بالهند، وسعيد هبة الله كامليف مدير معهد الحضارة الإسلامية بموسكو، والشيخ يونس توري عضو فرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بكوت ديفوار.
كما تقدم للسلام عليه كل من ثاني عبد الرحيم شئت رئيس فرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بالبنين، وأبو عركي الشيخ عبد القادر أستاذ جامعي سابقا بالسودان، ويحيى محمد إلياس رئيس فرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بجزر القمر المتحدة، وسندايغايا موسى رئيس فرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة برواندا، وماتيتا نزولا عضو فرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بأنغولا.
المصدر: “لاماب”
1. أحمد التوفيق
2. التنمية
3. الدروس الحسنية
4. الدين
5. القرآن
6. الملك


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.