جلالة الملك يهنئ محمد الشيخ محمد أحمد الشيخ الغزواني بمناسبة انتخابه رئيسا للجمهورية الإسلامية الموريتانية    نقطة نظام.. صفعة القرن    إشبيلية يعلن رحيل الهولندي الدولي بروميس لأياكس    شفشاون.. عامل شاب يلقى حتفه غرقا في واد    ترامب يعرض صفقة ب50 مليار دولار مقابل «سلام» مع إسرائيل    يوسف المساكني: لم نكن في يومنا والقادم أفضل    إردوغان وانتخابات بلدية إسطنبول .. هزيمة مريرة وتداعيات قاتمة    كافاني بنقذ أوروغواي وتضع تشيلي في مواجهة كولومبيا    المغربيات محيحات. فطوب 10 ديال معدلات الباك كاين 8 تلميدات    مديرية العرائش تؤكد احترامها للمراجع الوزارية المؤطرة لعمليات تنظيم الامتحانات الإشهادية    لهذا السبب غادر فوزي لقجع مصر وعاد إلى المغرب    عمدة الرباط يزور الرياض ويلتقي مسؤولين سعوديين (صور) رفقة وفد عن جماعة الرباط    شاهد بالفيديو ..اطلاق الرصاص على مسجد في مدينة سبتة المحتلة    المغرب عن مشاركته في مؤتمر المنامة: موقفنا ثابت من أجل حل دولتين وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية    “الكاف” يعاقب الجزائر بسبب الشماريخ .. ويهدد بمنع جماهير الخضر    مالى تحقق أكبر فوز فى أمم أفريقيا 2019 برباعية موريتانيا    بتمثيلية منخفضة.. المغرب يعلن مشاركته في لقاء “صفقة القرن”    طنجة المغربية تحتضن الدورة الأولى للمنتدى الدولي للإعلام والاتصال    أخنوش: لا مواطنة كاملة بدون مشاركة سياسية لمغاربة العالم    سيدر على خزينة المغرب 48 مليون أورو.. مجلس النواب يصادق على اتفاق الصيد البحري مع أوروبا    "البام" يحدد شتنبر موعدا لعقد مؤتمره الوطني الرابع    كودار يعلن عن موعد المؤتمر الوطني للبام.. ويدعو للإلتفاف حول الحزب في ظل أزمة "الجرار"    ابنة رئيس أوزبكستان السابق تعلن من سجنها دفع مليار يورو للدولة    ميسي يرفع التحدي: المنافسة الحقيقية في « كوبا أمريكا » تبدأ الآن    بسبب ملايير.. اعتصام ليلي لمنتخبي مجلس كلميم بوزارة الداخلية اعتصام امتدت لساعات الليل    معدل النجاح في امتحانات الباكالوريا فاق 63 في المائة بجهة الشمال    القهوة مشروب مدمر لحياة البشر    تصميم منصة للبحث والابتكار والتصنيع لأنظمة الإنارة الطبيعية الدينامية بالمغرب    خصوم بنشماش يعقدون المؤتمر في شتنبر.. قيادي: لدى بنشماش مهلة شهرين للتنحي    رونار يتابع خصوم الأسود بعد مباراة ناميبيا ضمن "كان 2019"    القنيطرة: توقيف 1.644 مجرم وجانح في 12 يوما    موازين.. عساف يُشيد بدور الملك في نصرة القضية الفلسطينية -فيديو    ما وراء اختفاء الأدوية الحيوية من الصيدليات المغربية    ترامب يفرض عقوبات جديدة على إيران تستهدف خامنئي وظريف    مفتي مصري ” يجيز ” مشاهدة مباريات كأس أمم افريقيا شرط ترك ” الصلاة والعمل”    “الأصالة والمعاصرة”: مجموع المديونية العمومية بالمغرب وصل إلى حوالي 1014 مليار درهم    تعاونيات تندد بإقصائها من المشاركة في النسخة الأولى لمعرض الأسواق المتنقلة بالحسيمة    بعد انتخابه رئيسًا لموريتانيا.. الملك يبرق الغزواني ويشدد على التكامل والاندماج فاز ب52 في المائة من الأصوات    الفنادق المصنفة بطنجة تسجل أزيد من 422 ألف ليلة مبيت بين يناير أبريل    معجبة “مهووسة” بميريام فارس تتقدم الجمهور بموازين – فيديو    هاكيفاش داز اليوم الثالث من مهرجان موازين    منشور ب”فيسبوك” حول الوضعية الأمنية بالدار البيضاء يدفع مديرية الحموشي إلى التفاعل    نقابة الصحافيين تطالب بإطلاق سراح المهداوي ووقف الاعتداءات ضد الصحفيين    دراسة تحذر من مخاطر العمل لساعات طويلة    بنك اليسر في ملتقى علمي ثاني لبحث تطوير المالية التشاركية بالمغرب    بمشاركة 30 باحثا.. “الفضاء العمومي” محور مؤتمر دولي بأكادير على هامش مهرجان أكادير لفنون الأداء    صورة قائد مغربي على عملة جبل طارق    وفاة 129 طفلا بالتهاب الدماغ الحاد في بلدة هندية    هجوم مصري بعد مشاركة مريام فارس بمهرجان موازين إيقاعات العالم - العلم    أول معرض خاص بالفنانين الأفارقة    إعادة انتخاب نور الدين الصايل رئيسا للجنة الفيلم بورزازات    تستهدف الفئات العمرية اليافعة والساكنة المجاورة .. حملات تحسيسية لتفادي فواجع «العوم» في مياه السدود والأودية    دراسة: ثلثا الأطفال ما بين 8 و 12 عاما يملكون هاتفا ذكي    مغني الراب كيري جيمس يتسيد منصة أبي رقراق في موازين    خلية المرأة و الأسرة بالمجلس العلمي بطنجة تختتم "الدرر اللوامع"    رسالة إلى الأستاذ والصديق الافتراضي رشيد أيلال    بالشفاء العاجل    دراسة: القهوة مشروب مدمر لحياة البشر وتسبب الموت المبكر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





منظومة التربية والتعليم.. العربية ليست الداء، والفرنسية ليست الدواء
نشر في العمق المغربي يوم 25 - 05 - 2019

اعتدتُ كطبيب استعمال مقاربة التشخيص والعلاج في حياتي المهنية، ومع مرور السنينانْتَقَلَت هاته المقاربة لتكتسح حياتي اليومية في كل مجالاتها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، ولقد وجدتها مقاربة علمية صالحة في الحياة العامة كما تصلح في الميدان الطبي.
عند ظهور أعراض مرضية، يكون الهاجس الرئيسي هو تشخيص المرض أو الخلل، ولهذا الأمر آليات محددة يستعملها أهل الاختصاص بمعايير دقيقة قد تأخذ وقتا وجهدا وقد يتعاون ويتشارك فيها عدة أشخاص أو فِرقُ عملٍ تستشير فيما بينها للوصول إلى التشخيص الدقيق للداء.
ثم تبدأ مرحلة وضع البرنامج العلاجي الذي يتطلب كذلك تعاون المختصين المتمرسين، فيبدأ تطبيقه تدريجيا وبصرامة ودقة مع المراقبة المستمرة وتقييم النتائج، وقد يحتاج الأمر إلى مراجعة بعض القرارات أو إضافات معينة حتى نصل إلى النتيجة المرجوة.
عرضت عليكم السيناريو الأمثل الذي يُفترض أن يتَّبِعه العاقلون المتزنون في التعامل مع الإشكاليات طبيةكانت أو غير ذلك، لكننا في الحياة الاعتيادية نرى أن هذا المنهاج لا يُتَّبع دائما في التشخيص الذي يكون حتما خاطئا فيُبنى عليه برنامج علاجي يؤدي إلى نتيجة سلبية، أو عدم اتباعه في مرحلة العلاج، فنضع إستراتيجية مختلة رغم علمنا بالمرض الحقيقي وتكون النتيجة كذلك سلبية بسبب سلوكنا الطريقَ الخطأ.
والطامة الكبرى أننا نجد حالات نخطئ التشخيص والعلاج معا فتكون النتائج كارثية بكل المقاييس.
إن المتتبع للشأن العام في المغرب في العقود الماضية يلاحظ جدلا مستمرا متعلقا بالمنظومة التربوية والتعليمية وما يعتريها من نقائص واعتلالات والحصيلة الهزيلة بعد أكثر من نصف قرن على الاستقلال، وهو ما تؤكده المراتب المتأخرة التي يحتلها المغرب في السلم التعليمي والتربوي والبحث العلمي مقارنة بباقي دول العالم رغم المحاولات المتتالية للإصلاح عبر العديد من البرامج إما عادية أو استعجالية،ومن بين المحطات والتحولات المهمة في مسار التعليم، مبادرة تعريب العلوم في المراحل الإعدادية والثانوية في الثمانينات من القرن الماضي، والتي كان يفترض أن تكون بداية لبرنامج متكامل تدريجي يشمل الجامعات والمعاهد العليا لكنه توقف ولم يَكتمل.
كذلك، انتشار التعليم الخصوصي في ربوع المملكة وإعطائه أهمية خاصة أثرت على التعليم العمومي، فانتقل بعد ذلك من الابتدائي والثانوي إلى الجامعات والمعاهد العليا.
ويستمر الجدل قائما حول هاته المنظومة بسلبياتها وإيجابياتهاإلى أن ظهرت في الآونة الأخيرة بشكل حاد إشكالية إعادة فرنسة المواد العلمية في الإعدادي والثانوي وإلغاء برنامج تعريبها بحجة فشل التجربة وعدم ملائمة اللغة العربية للمواد العلمية والبحث العلمي والاستجابة لسوق الشغل المغربية.
لا أدعي الاختصاص في مجال التربية والتكوين لأنه بعيد عن مجال اشتغالي، لكنني وددت أن أعطي بعض الإشارات في الموضوع بناء على المقدمة التي أوردتها في مجال التشخيص والعلاج:
1- إن الخلل في المنظومة التربوية والتعليمية في المغرب واضح وأكيد لوجود الأعراض المرضية المرتبطة به، وليس المجال لتفصيلها في هذا المقال.
2- إن تشخيص الخلل في منظومة بحجم تعقيدات التربية والتعليم يقتضي إعطاؤه أولوية قصوى لا يتقدمها أي مجال آخر مهما كانت أهميته لأن الأمم والشعوب لا ترتقي وتتقدم إلا بالتربية والتعليم،ولنا في الماضي والحاضر أمثلة حية تبرهن على ذلك، فالتشخيص إذن يتطلب العكوف عليه من طرف نخبة من المختصين المغاربة من أساتذةوجامعيينوأكاديميين ومربين وعلماء اجتماعوعلماء نفس وكل من له صلة مباشرة أو غير مباشرة بالموضوع،وإعطائهم الوسائل والإمكانيات اللازمة والوقت الكافي للخروج بتقرير شامل عن المنظومة وتقييمها من كل المناحي والمجالات الصغيرة والكبيرة للوصول إلى التشخيص الصائب الدقيق.
3- بناء على هذا العمل الجبار ينبغي العكوف على وضع إستراتيجية عمل متكامل وإمدادها بكل ظروف ووسائل النجاح مع سقف زمني محدد للارتقاء بالمنظومة إلى مراتب الدول المتقدمة مع الاستعانة بالتجارب العديدة للدول التي سلكت نفس الطريق فانتقلت في زمن قياسي من دول متخلفة إلى دولة صاعدة أو متقدمة.
4- عدم اختزال هذا الموضع المعقد الكبير في الوصفة السحرية الغريبة التي تقول:إن الحل يكمن في إلغاء تعريب العلوم في التعليم الإعدادي والثانوي وإعادة فرنستها.
وتعليقا على الموضوع أقول:
إن من المسَلمات على الصعيد العالمي والتي لا يجادل فيها عاقل أن تقدم الشعوب في منظومة تعليمها لا يكون إلا بلغاتها الوطنية، ويكفي لذلك أن نسرد دولا متقدمة لا تتعدى لغاتها حدودها الجغرافية ومع ذلك تدرس كل موادها العلمية في جميع أسلاكها بلغاتها الوطنية، فواقع الحال يغني عن الأدلة والبراهين فمثلا: البرتغال، إيطاليا، تركيا، ألمانيا،رومانيا، كوريا الجنوبية، اليابان، ماليزيا، أيسلندا، روسيا، أوكرانيا، السويد، الدانمارك، والأمثلة كثيرة جدا. فهل يعقل أن كل هاته اللغات تتفوق على اللغة العربية من ناحية الكم اللغوي أو قابلية الترجمة والاشتقاق،والعكس هو الصحيح بشهادة علماء اللغة غير العرب، والغريب في الأمر أن هؤلاء الأجانب يحترمون اللغة العربية ويُقدِّرونها بليعكفون على دراستها ويتساءلون لماذا يحتقرها أهلها، وللتذكير فإن اللغة العربية تعتبرها الأمم المتحدة من بين اللغات الدولية الستة المعتمدة لديها.
إن الجدل القائم حاليا في بلادنا والسرعة الغريبة المريبة للحسم في الموضوع رغم أهميته وحيويته، والضغط القوي من قبل فئات وتيارات معينة لإعادة فرنسة التعليم واختزال معضلة التعليم في التعريب يجعلنا نطرح تساؤلات كبيرة وعميقة حول السبب والهدف الحقيقيين من وراء هذا الحراك المحموم، وهل فعلا هو مرتبط بدافع الإصلاح التعليمي والتربوي أم له مآرب أخرى لا نعلمها،ولنا الحق كمواطنين مغاربة أن نتساءل حولها ونطالب بالإجابات والتوضيحات.
إننا نشجع أصدقائنا الفرنسيين على الاهتمام والتشبث بلغتهم التي نحترمها،وجزء من مجتمعنا يتكلمُهاويتقنُها،وأن يدرسوا بها ويفتخروا بها لأنها لغة جميلة، كما نشجع جميع شعوب الأرض أن يستعملوا لغاتهم الوطنية في كل المجالات إلى أبعد المستويات،وكذلك نطالب أن نمارس هذا الحق الطبيعي الفطري المشروع كباقي الشعوب والأجناس في أن يستعمل أبناؤناوأحفادنا لغتهم الوطنية في تعليمهم بجميع مراحله مع انفتاحهم على تعلم ما استطاعوا من اللغات.
إن اختزال عِلل المنظومة التربوية والتعليمية المغربية في المسألة اللغوية وجعل استعمال اللغة العربية مكمن الداء والفرنسة أساس الدواء يعتبر استهتاراً صارخاً بعقول المغاربة وإساءة لتاريخهم وحضارتهم وهويتهم وأجدادهم وأسلافهم على مر العصور، ولعباً خطيراً بمستقبل أجيالهم.
إننا في طموحنا كمغاربة نحو مستقبل أفضل لأبنائنا وأجيالنا يجب أن نتحلى بالموضوعية والجدية، ونستشعر عظم المسؤولية في البحث عن الحلول لمشاكلنا وفي وضع استراتيجيات العمل والتخطيط للمستقبل مستعملين الأدوات الحديثة والإمكانيات اللازمة، واضعين نصب أعيننا من قبل ومن بعد المصلحة العليا للوطن بعيدا عن المزايدات السياسية والاصطفافات الإيديولوجية التي لن تزيد الوضع إلا تعقيدا وتفاقما وسوءاً، مجتهدين في كل الأحوال وتحت جميع الظروف على التشخيص الدقيق للداء ووضع الوصفة المناسبة للدواء فاستعمال اللغة الوطنية جزء لا يتجزأ من الدواء والفرنسة لن تزيد الداء إلا تفاقماً واستفحالاً وتَعَفناً.
* الحبيب بنعدية، طبيب اختصاصي / عضو مكتب الجمعية المغربية للتواصل الصحي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.