في المشهد الحزبي المغربي الذي اعتاد على ممارسات "الخلود في الزعامة"، جاء قرار عزيز أخنوش بعدم الترشح لولاية ثالثة على رأس التجمع الوطني للأحرار ليشكل "صدمة إيجابية" ودرساً بليغاً في الأخلاق السياسية. هذا القرار ليس مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل هو رسالة مباشرة ومحرجة لزعماء أحزاب فضلوا البقاء في الكراسي عبر "هندسة" القوانين وتطويع الأنظمة الداخلية. لقد اختار أخنوش أن يحترم روح القانون قبل نصه. فرغم أن إمكانية تعديل النظام الداخلي للحزب لفتح الباب أمام ولاية إضافية كانت متاحة تقنياً وسياسياً، إلا أنه آثر الانسحاب وهو في "ذروة قوته"، دون ضغط داخلي أو هزيمة انتخابية. هذا السلوك يضعه في كفة، ويضع في الكفة المقابلة قيادات من طينة إدريس لشكر، ونبيل بنعبد الله، وعبد الإله بنكيران، الذين سقطوا في فخ "أنا الزعيم وبوحدي مضوي الحزب" وحوّلوا أحزابهم إلى "زوايا" تدور في فلك أشخاصهم. إن ما قام به أخنوش هو تفعيل حقيقي لمفهوم "التداول الديمقراطي". فالديمقراطية التي أوصلته لرئاسة الحكومة هي نفسها التي دفعته اليوم لفتح باب الخلافة لجيل جديد من النخب، مؤكداً أن زمن "التحايل" على الولايات لضمان الاستمرارية قد ولى، أو على الأقل يجب أن ينتهي. الرسالة هنا واضحة: المغرب يتغير، ومنطق النخب يجب أن يتغير معه. فهل يمتلك "شيوخ" السياسة في الأحزاب الأخرى الشجاعة الكافية لالتقاط هذه الإشارة؟ أم أنهم سيظلون متمسكين بمنطق "الولاية الثالثة والرابعة"، مفضلين مصالحهم الشخصية على صحة التنظيمات السياسية ومستقبل التداول في البلاد؟ بقرار أخنوش، نكون أمام سابقة في التدبير الحزبي المغربي؛ زعيم يغادر موقعه طوعاً وهو يقود الحكومة، ليثبت أن المؤسسات أكبر من الأشخاص، وأن احترام القواعد هو أسمى تعبير عن "النبل السياسي".