إصرار حكومي على إبقاء الساعة الإضافية!    جمهورية التشيك تعرب عن تقديرها الكبير لريادة جلالة الملك    بين منطق التحكم وأفق التجديد قراءة نقدية في بلاغي المكتب السياسي وردّ تيار اليسارالجديد المتجدد    لعل الجزائر عائدة إلى "التاريخ"... من مَعبر الصحراء المغربية    مشروع للتنظيم الذاتي في ظل غياب للنقاش العمومي    1.3 مليون سائح زاروا المغرب في يناير 2026    السردية الوطنية للخطابي ومساءلة اللفيف الأجنبي الجديد    الحب وحده ليس كافيا    بوريطة: المغرب يعتبر أن الضفة الغربية واستقرارها أمر أساسي لنجاح أي عملية تتعلق بقطاع غزة    توقيف متورطين في عنف ليلي بتيفلت    وزارة الداخلية تحدد قواعد الإنفاق الرقمي في الحملات الانتخابية بالمغرب    مجلس الحكومة يقر تعديلات جديدة لتنظيم تجارة السمك بالجملة وشروط الترخيص        جهة الدارالبيضاء سطات تحتضن ربع الحالات المسجلة وطنيا .. نحو 34 ألف حالة سل في 2025 والمعدل الوطني للإصابة يرتفع إلى 91 حالة لكل 100 ألف نسمة    بايتاس: تلقينا نحو 68 ألف طلب للاستفادة من دعم النقل    الجابر يحصد جائزة "القيادة العالمية"    بايتاس: إصلاح التعليم خيار استراتيجي ورفع الأجور يشمل 330 ألف موظف    معظم الأساتذة بالمغرب غير راضين عن أجورهم ويشتكون من كثرة المهام البيداغوجية والإدارية    كلميم.. "فيدرالية اليسار" تستنكر خرق شركة النقل لدفتر التحملات وتطالب بالتدخل لوقف الزيادات الأحادية    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا        السنغال تتمسك باللقب وترفض إعادة كأس إفريقيا إلى المغرب    البرلمان الأوروبي يوافق على الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة بشروط    "أسود الأطلس" يبدأون عهد محمد وهبي بمواجهة "إلتري كولور" في مدريد    رئاسة النيابة العامة تكشف عن خارطة طريق استراتيجية 2026-2028 لتعزيز منظومة العدالة    نشرة إنذارية.. زخات رعدية محليا قوية مع تساقط البرد يومي الخميس والجمعة بعدد من مناطق المملكة    استئنافية طنجة تُخفّض عقوبة التكتوكر آدم بنشقرون    العصبة الاحترافية تتسلم رسالة ودادية    بعد المواجهات التي خلفها فتح طريق لمقلع أحجار بقلعة السراغنة.. مطالب باعتماد الحوار بدل القوة    بنسعيد: وتيرة التطور في الذكاء الاصطناعي تتجاوز آليات المراقبة الأكاديمية    معرض يحتفي بالمكسيكيات في الرباط        الحرب تؤجل قرعة نهائيات كأس آسيا    اتفاقية مغربية-فرنسية لاستغلال بيانات السجل المدني في أبحاث الوفيات والأسرة    كفاءة مغربية تنضم لخبراء "S&P Global"    مكناس تحتضن الدورة ال18 للمعرض الدولي للفلاحة في صيغة موسعة تمتد لتسعة أيام    توقيف المغني Gims رهن التحقيق.. هل تورط في شبكة دولية لتبييض الأموال؟    مونديال 2026.. المرحلة الأخيرة من بيع التذاكر تفتح في الأول من أبريل المقبل    فينيسيوس يحسم الجدل: مستقبلي مع ريال مدريد ولا أفكر في الرحيل    صحيفة La Razón الإسبانية: المغرب وإسبانيا... تحالف أمني نموذجي في خدمة استقرار المتوسط    فاس.. عرض "نوستالجيا" يغوص بالجمهور في أبرز محطات تاريخ المملكة        المكتب الوطني المغربي للسياحة يعزز الشراكة مع الفاعلين الأمريكيين ويعزز ثقة السوق في وجهة المغرب    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    صدمة ‬أسعار ‬المحروقات ‬تكشف:‬ المغرب ‬يضاعف ‬زيادات ‬الأسعار ‬مقارنة ‬مع ‬دول ‬أوروبية    مدرب إسبانيا: لامين يامال موهبة فريدة ولمساته سحرية    دولة تنهار وأخرى تتقهقر    اليابان تواصل اللجوء للنفط الاحتياطي    ترامب يؤكد أن إيران تريد اتفاقا لإنهاء الحرب وطهران تقول إن لا نية للتفاوض    الجيش الإسرائيلي يشن ضربات "واسعة النطاق" في إيران وطهران ترد بصواريخ على إسرائيل ودول خليجية    اعتقال مغني الراب "ميتر جيمس" بفرنسا    بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة السل.. وزارة الصحة: 53 في المائة من حالات السل الجديدة المسجلة بالمغرب خلال سنة 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    وزارة الصحة: أكثر من نصف حالات السل الجديدة في المغرب عام 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحنين إلى مدن الوجد العربي بين الحلم والرؤيا، قراءة في ديوان الشاعر جمال بوطيب : "أوراق الوجد الخفية"

يثوي الحنين في تباريح الوجد، وبين ثنايا القصيد، في ديوان الشاعر جمال بوطيب "أوراق الوجد الخفية"، ناضحا بالشوق المضمخ بالتلوين الباهر لعوالم المدن التي يسري عبقها في شريان النص الشعري، متأرجحا بين حضور افتراضي متحرر من "سطوة الزمان ..وجلال المكان" ونزوع استشرافي، يصبو فيه الشاعر إلى أن يرى ما لا يراه غيره. ولا نمسك بنجوى الحنين في تفاصيل الخلايا الشعرية المفعمة بنغمية غنائية رقيقة في نصوص "كراس المديح" المكونة من خمس قصائد لوحدها، بل تكاد بقية النصوص الأخر أن تجهش بهذا الحنين الآخذ في التنامي كلما أوغلت في عمق الديوان المكتوبة قصائده إلى حدود سنة 2006. في هذه "الأوراق "يقع الحنين إلى مدن الوجد العربي بين الحلم والرؤيا. في الحلم وهج الجمر وبهاء الزهر، وفي الرؤيا توق إلى الآتي الجميل، بفعل الاستشراف المستند لدى الشاعر إلى رؤية للعالم متناغمة ومنسجمة ضمن فلسفته العاشقة للحياة المتطلعة دائما إلى غد مشرق.
يزخر ديوان الشاعر جمال بوطيب "أوراق الوجد الخفية" بالحنين باعتباره فيضا من المشاعر المتداخلة ذات ارتباط وجداني وثيق بفضاءات معينة بعيدة شهدت تجربة إنسانية في الماضي (مدن الوجد العربي). وأصبح لها حضور حميمي في الذاكرة. يمارس الحنين – هنا- جاذبيته على الذات نحو تلك الفضاءات متراوحا بين الغضب والفرح، بين الشوق واللهفة والرغبة في السفر إلى الأمكنة التي تشد الشاعرَ إليها، بين الانبهار واسترجاع صور الماضي فيها. يتأرجح الحنين بين تجرع مرارة الفرقة والبعاد والانتشاء بلحظات جميلة، جديرة بالحياة، بين الأسى والأسف على الحال المتسم بالقهقرى والمآل المرتقب الباهر بوهج الأمل... وينضح الحلم في الديوان بتداعيات مسترسلة للصور الشعرية التي تنداح بلغة مفتونة بالاستعارات والمجازات. مسحورة بنفح المكان والتاريخ، والرمز، تتوسل بالحسي لتسمو إلى الرؤيا.
1- أوراق من كراس المديح وكراسات أخرى
يخص الديوان "بعض مدن الوجد العربي" بهذه الرحلة الحميمية الحالمة والمستشرفة للآتي. وقد مهد لها بعتبة عنونها ب "خمس أوراق من كراس المديح"، وضم الكراس :
- الوقة الأولى: فاس
- الورقة الثانية: وهران
- الورقة الثالثة: القاهرة
- الورقة الرابعة: بغداد
- الورقة الخامسة: بيروت
ومع ذلك لم يحصر الشاعر حبه الذي بلغ مرتبة الوجد في هذه المدن العربية المذكورة، فهي بعض من كل، في العتبة/ الإضاءة التي صدر بها للقصائد الخمس، وذيل الإضاءة بعبارة: "كراس المديح الطبعة العاشرة بعد الألف"، ليحن "مع كل الأحبة إلى... بعض مدن الوجد العربي..." . إن هذه المدن كثيرة بالطبع. اختار بعضا منها لهذا الحنين الثاوي -كما أسلفنا- في نصوص الديوان الأخرى أيضا. انطلق الشاعر من فاس، في رحلته الحالمة المسكونة بهاجس قبس الاستشراف. ومر بوهران فالقاهرة، ليصل إلى بغداد وبعدها بيروت. تحضر في نصوص الديوان "سعيدة" الجزائر و"بصرة" بغداد و"خليل" و"حيفا" فلسطين. وتحضر بغداد الحزينة بثقلها في نص "لك هذه الصلاة" الذي صدّر له الشاعر بعتبة جاءت أسفل العنوان وجاء فيها توصيف : (الورقة الأشد إيلاما في كراس الرثاء)، حيث جاء حضورها عبر التاريخ الذي تكثفه القصيدة من خلال توظيف الدلالة الرمزية ل"بابل". وفي "مرارة النبت"(ورقة باسقة في كراس الخشوع) تحضر مدينة وجدة من خلال توظيف "الوادي الناشف" وهو واد فوقه قنطرة غرب المدينة، لكنه جاف ليس به ماء. وحضوره في النص يقوي إحساس الشاعر بالمرارة والجفاف. وقد أعار الوادي الناشف سماء الوطن العربي مرارة النبت فأمطرت زخات بطعم الموت.
2- جناح الحلم وأفق الرؤيا: الطوفان القائم والقادم
الواقع ما قبل الربيع العربي مؤلم يبعث على الاستنكار والإدانة. ويشحذ عزم الشاعر على الخلق والخرق واستعارة مرارة النبت وتحويلها إلى عطاء غزير كعطاء الغدير... في قصيدة "سأوقف خطواتي" وصفها الشاعر ب(ورقة وفية من كراس الخيانة) يحضر الواقع العربي والقضية الفلسطينية من خلال مدينة القدس. ويأتي الإعلان عن الغضب قويا صارخا بالموقف الرافض للتردي العربي، والتردي سمة تطال واقع الشعر العربي أيضا، لبعده عن القضايا الحقيقية للأمة :
كل قصائدنا
مزورة
حطيئة لو هجا حبَشا
أو دس
في عين الفيل
قافية
ما كان ينقذ قدسا
ولا كعبة"
وفي نفس القصيدة تحضر بغداد من جديد عبر "العامرية". ويدخل الحنين إلى مدن الوجد العربي في قصيدة "في مدن الحلم"،كما في نصوص أخرى من الديوان ليمتطي عنان الحرية في جناح البحر ويرسم آفاقا دلالية رحبة للقصيدة. كما يجنح إلى قبس الرؤيا ليكشف الطوفان القادم :
"في مدن الحلم
التي هدها الطوفان
أرى ما لا ترون
أسمع
نوح القيثارة
ترثي المأوى
والأهل والحمى"
يعلن الرثاء عن مراسيمه بنواح القيثارة ونغمها الحزين. تحلق القصيدة بالقارئ على متن الحلم. ويمتطي الحلم جناح البحر في رحلة يلوذ بها الشاعر كي يصل إلى الكشف المنشود. يقف الطوفان القائم – هنا- في مقابل الطوفان القادم. يتمثل القائم في التمزق العربي، والموت والدمار والحرب والنزاعات والمعاناة الإنسانية. وينخرط الشاعر في حلمه ليبحث عن الآفاق المجهولة للحاضر الحالك. يبحث عنها في عيون سبايا الموت. ويستشرف الآتي ليخبره عن الطوفان القادم الذي يجهز على المقامر بالوطن وعلى الفرد القابل للخرس المستسلم للخنوع ويقضي على سلطة المحقق والسفاح:
"أبحث
عن طوفان
يجر المقامرَ
والمخرسَ والمحقِق والسافك
عن كل ما أرى وما لا ترون
عن بسمة القيثارة
تزف بشرى الحصاد
وعودة السنونو
وغربة الأهل
وإباحة الحمى
وتشرد المأوى"
3- رمزية الربيع واستشراف غد المحال
أصبح الربيع في الأدبيات السياسية اليوم وبعد ثورة الياسمين وما تلاها من تغيير في البلدان العربية رمزا للتحول التاريخي، لثورة الشارع العربي وشبابه التواق إلى التغيير وبناء غد أفضل. ويتحول الربيع في الوطن من خلال "الورقة الأولى: فاس" إلى (فصل لا أمان فيه). وليست فاس في الديوان فاسا واحدة لكنها ثلاث: فاس المؤرخ بائسة، وفاس الشاعر حالمة- مستشرفة، وفاس فاسَ قوية تواقة. لكل فاسه المختلفة. فاس المؤرخ عارية، لا تعرف إلا البكاء والهروب في دهاليز النسيان، إذ تلوذ بصدر النبيذ. صارت ضعيفة حيث تراجع فيها الحب - بتعبير "زهرة المدائن"- و"غاب عنها الرب" بتعبير الشاعر. ذات حضور سلبي ومنفعل. فاس أصلها فأس بالهمزة التي ضاعت من اسم المدينة، فعبر الشاعر بضياع الهمزة عن اللين والضعف. وتختزل الفأس كل معاني القوة والحدة والفاعلية. بينما تصبح فاس المؤرخ في القصيدة لا حول لها ولا قوة. لا تملك إلا الشكوى التي تتجاوز البوح إلى إفشاء وخيانة السر (والبوح خان، سر النشيد). فلا يتمكن النشيد – هنا- من تعدي معاني الحماس والفخر والعظمة إلى النصر وتحقيق الرؤيا، بسبب هذا الوهن والسلبية والانفعالية التي تتسم بها المدينة العربية من وجهة نظر المؤرخ الذي يتقن اقتناص اللحظة السياسية، لكن بغير روح استشرافية. أما فاس الشاعر فإن حالها قد استدعى تناصا ذكيا مع الآية التي خاطب الله فيها السيدة مريم بقوله تعالى: "وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا" . فتكون فاس بهذا التناص الذي عمد إليه الشاعر موعودة بولادة جديدة من أجل تحقيق الممكن الذي كان يبدو مستحيلا. وهو تناص أراد به الشاعر إعادة صياغة استشرافه للواقع العربي بلغة شعرية عميقة تربط بين الحال والمآل، بالارتكاز إلى المقدس والتاريخ والعلم أيضا، باعتبار رمزية فاس العلمية وما تشير إليه عبارة "جذع الأبجدية" في القصيدة من دلالات مرتبطة بهذه الرمزية :
"فاس...
هزي إليك
بجذع الأبجدية
تسّاقط عليك حروفا
اهمزي الألف
والواو..
وما لا يهمز.."
ويمطر النص فاس بتكرار فعل الأمر من (كان)، لتحقق فاس كينونتها المغايرة المنشودة، حيث وظف فيها الشاعر فصلي الشتاء والربيع توظيفا مثيرا. يدعوها لتكون جميلة شهية وبهية مثل "كرز الحسان" شتاءً. ولتكون كما تريد هي أن تكون، متجاوزة لحالها القائمة إلى الحال المأمولة الجديدة ربيعاً.
"كوني شتاءً
كرز الحسان
كوني غير التي بالأمس
فصلها كان
كوني أنتِ
لم يعد الربيع ُ
في وطننا
فصل الأمان"
وأما فاسُ فاسَ فإنها تعبر عن وعيها بذاتها. وهو وعي حقيقي غير زائف. قوية وتواقة. ومع ذلك تعترف بأنها ليست على الحال التي تريد أن تكونها. إنها تستأثر بزهور الربيع كلها، ولا تدع شيئا للمدن الأخرى. أزهار الربيع جميعها من حظ فاس. إنها قبلة المحبين، تبث الحب حتى في القلوب الجافة. لكن النساء رمز الخصب والعطاء يتملكهن الخوف من البرد والجذب شتاءً. وبنفس القدر يتهيبن من هجوم الربيع في فضاء "زلاغ" باذخ الخضرة. ويمارسن عشق الحياة في فضاء "ميموزا" المخملي المعشوشب بفاس الذي تؤمه النسوة للاستراحة ونسيان التعب والملل. وبين الهيبة والعشق، تتمنى فاس لو أنها تكون كما أرادت هي، يؤمها السلام والحب. لكن فاس الحاضرة ليست هي فاس المأمولة الغائبة، إذ"ليست فاس ما تسمع.....إن فاس ما ترى".
غابت تونس عن "كراس المديح" المخصص لمدن الوجد العربي، المكتوب قبل الياسمين بأعوام. كما لم يذكرها الشاعر في أي من نصوص الديوان الأخرى، بينما حضرت فيه فاس التي قالت عن نفسها بلسان الشاعر:
"وأنا ربيعا
صادرت الزهور
وعلى عجاف القلوب
شتاءً نثرت
زخات المطر"
ومقابل ذلك لم تغب فاس – في الواقع- عن الربيع العربي، وهي قلعة الحراك الشبابي – الطلابي منذ نصف قرن ونيف. حضرت من خلال شارعها وساحاتها الطلابية بالتفاعل مع اعتمالاته وتطوراته. ولنا أن نتساءل : فاس الشاعر في "أوراق الوجد الخفية"، باحتكارها للزهور، وبجعلها الربيع فصلا غير آمن، هل كادت أن تخضع لاستشراف يريدها أن تطلق زهرها فيما سيأتي من أحداث وتحولات ستسمى لاحقا بالربيع العربي؟ هل خبأ هذا الاستشراف ياسمين تونس عن العوالم الشعرية للديوان كي تصادر فاس كل الزهور؟ وهل أدت فاس دورها في "غد المحال" العربي ؟ أم لا زال الربيع ينتظرها؟
تنبئ "الورقة الثالثة: القاهرة" عن اللحظة التاريخية التي ستشكل منعطف التغيير، برؤيا ثاقبة كثفها الشاعر في "البرق المباغت" والمقابلة بين الأمس و"غد المحال". يخاطب الشاعر القاهرة قائلا:
"لا تسألي...
ألقُ السنابل
هزّهُ
برق يباغت أمسنا
بغد المحال ْ
والقلب من شرر
العيون
تلا السفاهة
والنباهة
واستقال"
4- اغتيال الركح وقتل الإبداع
تعرض"الورقة الثانية: وهران" لاغتيال الركح وقتل الإبداع، من خلال اغتيال الفنان المسرحي الشامخ عبد القادر علولة سنة 1994 الذي كان قد أخذ يؤسس لفن مسرحي راق ومتنور. وكانت شعبيته تتزايد في الجزائر يوما عن يوم منذ أواسط الثمانينيات، وهو ما أرعب أعداء الإبداع والتنوير. فامتدت يد الغدر إليه. ويوظف الشاعر رموزا تاريخية جزائرية، لاستنفار الذاكرة الجمعية المناضلة والمكافحة ضد الظلم والاستعمار، والتعبير عن الغضب من جراء فداحة الخسارة التي خلفتها العمليات الإجرامية التي طالت المبدعين في الجزائر، فيما يعرف بالعشرية السوداء (1991- 2000) التي شهدت اغتيال الفنانين والسياسيين ومنهم الرئيس محمد بوضياف والفنان الشاب حسني إلى جانب المسرحي عبد القادر علولة. ويوظف الشاعر صنفين من الأَعلام: أعلام شهداء ثورة التحرير بالجزائر، وهم : العربي بن مهيدي، أحمد زبانة وجميلة بوحيرد. وأعلام أمكنة، : حي "بلاص دارم" وهي ساحة بوهران وحي بمدينة عنابة، "لاميري" و"سعيدة" وحي "الحمري" في وهران. اغتيال الركح عبرت عنه عتبة نثرية للنص معنونة ب"غضب" وتساءل الشاعر في هذه العتبة : "ما الذي يبقى من المسرح البلدي، ومسرح الهواء الطلق ب"وهران" بعد سقوط الشامخ "عبدالقادر علولة" الذي وهو يوارى التراب غدرا، رأيت...
المسرح البلدي السامق يتهاوى.....
وخضرة كراسي مسرح الهواء الطلق قد صارت بلون الحصاد"
لقد رأى الشاعر اغتيال الركح وقتل الإبداع. فخاطب جبهة البحر ... رمز الطوفان القادم الذي سيسمى لاحقا بالربيع العربي. ويستعير الشاعر نفس التناص السابق في مطلع القصيدة :
"جبهة البحر...
زجّي بالرُّسغ
في طَرَف الصّبوة
تَنتَفض
محجّاتُ "العربي بن مهيدي"
وأحمد "زبانة"
5- رسالة السلام وزغرودة للآتي
تتحول "الورقة الرابعة: بغداد" إلى رسالة سلام تدعو لحماية الطفولة وحلمها الجميل بغد آمن زاهر. تغني القصيدة للسلام في بغداد، بزخم موسيقي منتظم المقاطع والجمل، يبوح بلحنه وإيقاعه، كأنما كتب الشاعر بين ثنايا سطورها جملا موسيقية محبوكة بنوتة بارعة محترفة تفجر طاقة نغمية داخلية هائلة. تقترب هذه القصيدة من النشيد. فهي بمعنى ما نشيد للسلام، للحنين إلى بغداد الآمنة.
"هذي رسالة
قبلة
أبدية
عنوانها
لحن حياة قادم
إن ترغبوا
في الرد عنها
فالثموا
كل الفراش
وكل زهر
واحلموا"
وبمثل هذا النفس الشعري المفعم بموسيقى النشيد، تعلن"الورقة الخامسة: بيروت" عن تجدد الحياة عبر صرخة الوليد وزغرودة الرضيع، بالرغم من الرصاص. إن بيروت واقفة من دون بكاء. ستظل صامدة. يكشف الاستشراف - هنا- عن استمرارية هذا الوقوف الصامد. ويأخذ الاستقبال صيغة النفي في مطلع القصيدة لتأكيد الشموخ، نفي الفعل الذي يحمل دلالة السقوط (لن تبح الأصوات، لن تهادن الحناجر). وتطلق للغد زغرودة، (لرضيعك... زغرودة الآتي). فينتهي زمن الرصاص. يتعزز هذا الاستشراف في النص برؤبا الشيخ:
"لأن شيخك
قرأ
في كتب السلف
منقوش إسورة
يقول:...
(أنا بيروت...
واقفة،
إن تبكوا
أكبو)
ولا يتوقف افتتان الشاعر بالأفضية الساحرة والأماكن التي أصبحت تكتسي صبغة رمزية. فينقلنا إلى مغارة جعيتا الساحرة، وبطن خبث مضرب الأمثال في غلاء المهور:
"لفطيمك...
أن يذكر أنه
قرب القلبِ
بمغارة جعيطةَ الحبلى
لثمَ خدّك الأحلى
وباع ما تبقى من
جَلَد
ليجعل من أسدِ
بطنِ خَبْث
مفخرة أغلى
لا تتوقف قراءة نصوص "كراس المديح" من ديوان الشاعر جمال بوطيب، لأنها حبلى بالدلالات العميقة. ولا ينتهي رصد أنفاس الحنين إلى مدن الوجد العربي الممتطي صهوة الحلم، الممتشق قبس الرؤيا في "أوراق الوجد الخفية". وحسبنا أننا أثرنا السؤال لاستثارة البحث عميقا في مغالق الدلالة الشعرية المتيمة بالانتماء لخارطة الوطن العربي، المحملة بنفح التاريخ وشواهده، المرتبطة برمزية الأسماء. وقدمنا هذه القراءة للحنين في "أوراق الوجد الخفية" في أفق قراءات أخرى لاحقة للديوان، باعتباره منجزا شعريا إبداعيا دخل الحداثة الشعرية وزاده مثقل ينوء بحمولات فكرية ومعرفية تراثية عميقة قل نظيرها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.