مجلس المنافسة يتحرك ضد الاحتكار ويضع المنصات الكبرى تحت مجهر اليقظة القانونية وضع رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، الأسواق الرقمية في صلب النقاش العمومي، داعيًا إلى تحديث الإطارين القانوني والتنظيمي بما يضمن تحقيق توازن دقيق بين تشجيع الابتكار التكنولوجي، وحماية قواعد المنافسة، والتصدي للممارسات الاحتكارية التي تهدد شفافية السوق واستقلالية الفاعلين. وخلال اللقاء السنوي لمجلس المنافسة مع وسائل الإعلام، المنعقد تحت شعار "الأسواق الرقمية: بين الابتكار، والمنافسة، والمسؤولية الإعلامية"، شدد رحو على أن المنصات الرقمية الكبرى لم تعد مجرد فاعل اقتصادي عادي، بل أضحت مؤثرة بشكل مباشر في الإشهار، وتدبير المعطيات، وتوجيه الاستهلاك، وهو ما يفرض، بحسبه، يقظة تنظيمية متجددة تستجيب لتحولات الاقتصاد الرقمي. وأكد رئيس المجلس أن تسارع التحول الرقمي يضع المؤسسات التنظيمية أمام تحديات مركبة، تتعلق بضمان منافسة منصفة، وصون حقوق المستهلكين، والحفاظ على التعددية الإعلامية، مشيرًا إلى أن التجارب الدولية، خصوصًا في مجال تشريع المنصات الرقمية وحماية المعطيات الشخصية والإشهار الرقمي، تشكل مرجعًا مهمًا لتطوير المنظومة الوطنية. واعتبر رحو أن بناء سوق رقمية سليمة لا يمكن أن يتم دون تخليق الممارسات الاقتصادية وترسيخ قواعد المنافسة الحرة والنزيهة، باعتبارهما شرطين أساسيين لتحفيز الاستثمار وحماية المصلحة العامة، لا سيما في قطاعات ترتبط مباشرة بالقدرة الشرائية للمواطن. وفي هذا السياق، شكّلت قضية شركة التوصيل "غلوفو" نموذجًا بارزًا لتدخل مجلس المنافسة في الفضاء الرقمي. فقد فتح المجلس هذا الملف عبر مسارين: الأول بمبادرة ذاتية، تم خلاله فحص الممارسات التجارية للشركة داخل السوق الوطنية، والثاني بناءً على شكاية تقدم بها أحد المنافسين، اتهم فيها المنصة بفرض شروط وعمولات اعتُبرت تعسفية وقد ترقى إلى استغلال وضعية هيمنة. وتأتي هذه القضية في سياق نمو متسارع لسوق منصات التوصيل، الذي سجل سنة 2024 نحو 25 مليون طلب، محققًا رقم معاملات يناهز 3 مليارات درهم، مع توسع قاعدة المستعملين إلى 17 في المائة، مقابل 3 في المائة فقط سنة 2019، في مؤشر واضح على التحول العميق الذي عرفته أنماط الاستهلاك، خاصة بعد جائحة كوفيد-19. ومنذ دخولها السوق المغربية سنة 2018، وسعت "غلوفو" أنشطتها من توصيل الوجبات إلى مجالات أخرى، من بينها التوزيع الكبير والتجارة المتخصصة، قبل أن تطلق سنة 2020 خدمة "ماركت" المعتمدة على متاجر تابعة لها. وتضم الشركة اليوم آلاف الشركاء والسائقين المستقلين، وتنشط في عشرات المدن، مع حضور وازن داخل هذا السوق. وقد اتخذ التحقيق في هذا الملف طابعًا غير مسبوق، حيث قام مجلس المنافسة، لأول مرة، بعمليات تفتيش وحجز داخل مقرات الشركة، بالتوازي مع الاستماع إلى منافسين وشركاء ومستخدمين. وأفضت هذه التحريات إلى رصد ممارسات يُحتمل أن تكون مقيِّدة للمنافسة ومؤثرة في استقلالية عدد من الفاعلين الاقتصاديين. وبدل سلوك مسار الطعن، اختارت "غلوفو" اللجوء إلى مسطرة التسوية، التي تتيح إغلاق الملف مقابل الالتزام بتعهدات ملزمة. وقد صادق المجلس على هذه التعهدات في يوليوز 2025، وشملت إلغاء بنود الحصرية، وتحديد سقف العمولات في 30 في المائة، وتعزيز الشفافية، إضافة إلى إجراءات غير مسبوقة لفائدة سائقي التوصيل، من بينها ضمان حد أدنى للدخل في الساعة وتحسين شروط السلامة.