كشفت دراسة أكاديمية حديثة أن تجربة اللامركزية في المغرب ما تزال رهينة أعطاب بنيوية وإكراهات متعددة في مسار تنزيل الجهوية المتقدمة، رغم مرور أكثر من عشر سنوات على إقرار دستور 2011، الذي اعتُبر نقطة تحول مفصلية في تكريس مبدأ الإنصاف المجالي. الدراسة التي أعدّها الدكتور عمر احرشان، أستاذ القانون العام بجامعة القاضي عياض بمراكش، ونُشرت في عدد الربيع 2025 من مجلة "حكامة"، حملت عنوان "اللامركزية في المغرب: الأعطاب البنيوية وإكراهات التنزيل"، واعتمدت على تحليل دستوري وقانوني للسياق المغربي، مقرونًا باستقراء الممارسة الترابية الراهنة.
ووفق الباحث، فإن المغرب ورغم تأكيده في دستوره على تنظيم ترابي لامركزي، "ما يزال يتأرجح بين الطابع الإداري والسياسي للامركزية"، حيث أوضح أن "الطابع المركزي المفرط لا يزال حاضرًا بقوة في تدبير الشأن المحلي، بفعل تحكم السلطة المركزية في الرقابة والإشراف والتأشير على ميزانيات الجماعات".
وأضاف احرشان أن الإطار القانوني المنظّم للامركزية، ورغم انتقاله إلى مرتبة القوانين التنظيمية، "لم يُمكّن الجماعات الترابية من استقلالية فعلية، لا على مستوى الاختصاصات، ولا على مستوى الموارد المالية"، مشيرًا إلى أن "منظومة تمويل الجماعات الترابية ما تزال قائمة على منطق الإعانات المركزية، مما يجعلها رهينة المركز".
وتوقفت الدراسة عند الطابع المتردد للسلطة المركزية في تفويض الصلاحيات، معتبرة أن "جذور الإدارة المغربية ما تزال مخزنية، وأن الدولة تتوجس من التخلي عن مركزيتها لصالح كيانات محلية منتخبة قد تنازعها الشرعية والمشروعية". في السياق ذاته، أشار الباحث إلى أن "عقودًا من الاستقلال لم تغيّر المعادلة الاستعمارية التي قسمت البلاد إلى مغرب نافع ومغرب غير نافع"، مؤكدًا أن "الجهوية المتقدمة، في صيغتها الحالية، لم تنجح في معالجة التفاوتات المجالية ولا في تعزيز الإنصاف الترابي". وانتقدت الدراسة ما وصفته ب"التنزيل المرتبك" للنصوص الدستورية، مشيرة إلى أن "التأخر في إصدار القوانين التنظيمية وتفعيل المراسيم التطبيقية أضعف إيقاع الإصلاح وأطال المرحلة الانتقالية لما بعد دستور 2011". كما أبرزت الدراسة أن "الدولة المغربية اختارت خيار الدولة الموحدة/ البسيطة، واكتفت بنموذج اللامركزية الإدارية بدل اللامركزية السياسية، وهو ما قلّص من هامش المبادرة لدى الجماعات"، لافتة إلى أن المبادرات السياسية مثل مقترح الحكم الذاتي في الصحراء "تظل استثناءً خاضعًا لحسابات دولية". في ختامها، دعت الدراسة إلى إعادة النظر في فلسفة اللامركزية بالمغرب، من خلال منح الجماعات الترابية صلاحيات فعلية، وتجاوز الطابع الشكلي للتدبير الحر، واعتماد رقابة قضائية مستقلة بدل الرقابة الإدارية، مع إصلاح آليات التقطيع الترابي والتمويل الجبائي. وتأتي هذه الدراسة في سياق متجدد من النقاش الوطني حول النموذج التنموي الجديد، وتزايد المطالب بجعل الجهوية رافعة حقيقية للعدالة الاجتماعية والمجالية، بعيدًا عن منطق التحكم ومركزة القرار.