منذ تبني أول دستور مغربي تم اعتماد قاعدة التنصيص على القوانين التنظيمية التي يجب على الحكومة إخراجها إلى حيز الوجود، بالرغم من أن بعضها ظل حبيس الوثيقة الدستورية لزمن طويل كما هو الحال بالنسبة لقانون الإضراب منذ أ,ل دستور مغربي. لكن هذا الأمر قد أخذ طابعا أخرا مع الوثيقة الدستورية لسنة 2011 في فصله السادس والثمانين، الذي نص على إلزامية إخراج مختلف النصوص التنظيمية عقب الولاية التشريعية التي تلي التصديق على الدستور، والتي تفرض على السلطات الحكومية العمل على إخراج المخطط التشريعي وعرضها على أنظار البرلمان في غضون هذه الولاية التشريعية قبل مغيب شمس ولايتها سنة 2016. وفي هذا السياق، ثارت مسألة الجدولة الزمنية لبعض النصوص التي ترتبط بآجال محددة كما هو الشأن بالنسبة للنصوص التنظيمية المتعلقة بالجهة والجماعات الترابية الأخرى وكذا باقي المقتضيات المتعلقة بالانتخابات المحلية بعدما أكدت سلطات الوزارة الوصية أمر حسم التوقيت الذي ستجرى فيه والاحتفاظ بالآجال المحددة للانتخابات المحلية في آجالها النتظرة. إن النصوص التنظيمية باعتبارها الحلقة الأولى في مسار تعزيز الإصلاحات الكبرى التي شملتها المقتضيات الدستورية الجديدة يعتبر أمرا بديهيا؛ فخصوصية هذه النصوص المتعلقة بمجالات اللامركزية والجماعات الترابية مرتبطة بإعادة النظر في الصلاحيات الجهوية خاصة والترابية عامة بين فئة المنتخبين وممثلي السلطة في ظل مسلسل تطويري وتراكمي لللامركزية وفي ظل تطور محتشم للاتمركز الإداري، والتي ينتظر أن تكون القاعدة المؤسساتية الصلبة التي تبنى عليها المنظومة القانونية للجماعات الترابية بالمملكة. إن النقاش العمومي الذي يهم الأجرأة الأنسب والتنزيل السليم للنصوص التنظيمية المتعلقة بالجهوية والجماعات الترابية الأخرى أصبح يتمخض بين بعدين محوريين: أول يبحث عن ضمان حد أدنى من التنزيل يتناسب مع الناحية الفنية والتقنية لمختلف النصوص الواردة في الدستور وذلك عبر محاولة استيعاب مختلف المقتضيات الواردة والحفاظ على منحى تدرجي للتطور. وبعد ثاني يستند على جوانب أكثر عمقا وموضوعية يساءل المنحى الديمقراطي الذي يجعل النصوص التنظيمية استمرار للمسار الديمقراطي الذي اختاره المغاربة حينما تم التصديق عل المبادئ الجديدة التي جاء بها دستور المملكة. فهذه النصوص التنظيمية من شأنها أن تحدث تغيرا بينا في بنية الدولة؛ إذ تتعدى البناء الإداري للمملكة الذي يرتكز على تنظيم المستويات الترابية بها لتمس جوهر وعمق نظام الدولة عبر إعادة النظر في مراكز السلطة بين الأجهزة المركزية وهذه المستويات الترابية وتمتيعها بسلطات حقيقية لتدبير الشؤون ذات الطابع الترابي. فراهنية موضوع القوانين التنظيمية المتعلقة بالجهة والجماعات الترابية يجب أن تخضع للنقاش السياسي وللتدبير الإداري الأنسب لاستغلال أنسب لمسلسل اللامركزية في صيغتها الجديدة التي تجعل من التنظيم الإداري يستند بحق على الجهوية المتقدمة وتعزز حزمة الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بين المواطنين على قدم المساواة. ولاشك أن اتساع مجال الرقابة الإدارية الممارسة من طرف الولاة على منتخبي الجهة، وباقي المستويات الترابية الأخرى، وقراراتهم ومقرراتهم، كان أهم الجوانب التي ضمها مجموعة من الانتقادات التي أوردها ممثلو رؤساء الجهات والجماعات الترابية وكذا ضمن مذكرات تعديلية لمجموعة من الأحزاب المغربية منذ بداية تداول مسودة مشروع القانون التنظيمي للجهة وكذا مسودة مشروع القانون التنظيمي للجماعات في ظل خريطة قضائية ضعيفة للقضاء الإداري. وعليه، فالآجل المتبقى لإخراج هذه النصوص التنظيمية يفرض البحث عن صيغ توافق حول الخطوط العريضة ومجال مشترك للحوار لضمان أعلى مستوى من الانسجام بين الوثيقة الدستورية والنصوص التنظيمية التي تهم الجهة وباقي الجماعات الترابية الأخرى بين فرق الأغلبية وفرق المعارضة وباقي الفاعلين.