في لحظة يُفترض أن تشكل فيها مناقشة الحصيلة الحكومية داخل البرلمان محطة للمساءلة الديمقراطية وتقييم الأداء العمومي، يطرح عرض رئيس الحكومة عزيز أخنوش لحصيلة ولايته أسئلة أعمق تتجاوز الأرقام والبرامج، لتلامس جوهر الممارسة السياسية في المغرب، في سياق يطبعه فتور غير مسبوق في الاهتمام بالشأن العام. فبعيدا عن الطقوس المؤسساتية، يبدو أن النقاش حول حصيلة الحكومة يجري في فراغ سياسي واضح، حيث تتراجع ثقة المواطنين في جدوى العملية السياسية برمتها، من حكومة وبرلمان وانتخابات، هذا العزوف لا يُقرأ فقط من خلال نسب المشاركة، بل من خلال حالة اللامبالاة العامة التي أصبحت سمة بارزة، حتى وسط فئات كانت تقليديا منخرطة في العمل السياسي والنقابي. وفي مقابل هذا الجمود الداخلي، يتجه جزء من النخب والفاعلين إلى متابعة ديناميات سياسية خارجية، من النقاشات الدائرة في فرنسا إلى التوترات الدولية، في تعبير عن نوع من "الاغتراب السياسي" الذي يعكس أزمة ثقة عميقة في الفعل السياسي الوطني، وغياب أفق واضح للتغيير. هذه المؤشرات تُنذر، وفق متابعين، بانتخابات 2026 قد تسجل واحدة من أضعف نسب المشاركة في تاريخ المغرب، في ظل غياب بدائل سياسية حقيقية قادرة على استقطاب الناخبين أو إعادة بناء الثقة، فالمشهد الحزبي، رغم إعادة تشكيله بعد تجربة الإسلاميين في الحكومة، لم يفرز إلى حدود الآن قوى جديدة تحمل مشروعا سياسيا مقنعا أو تعبيرا فعليا عن تطلعات المجتمع. وفي هذا السياق، يُرجح أن لا تشهد التحالفات الحكومية المقبلة تحولات جوهرية، إذ قد يقتصر الأمر على إعادة تركيب الأغلبية الحالية مع تعديلات طفيفة، دون أن يصل ذلك إلى مستوى القطيعة السياسية المنتظرة، وهو ما يعزز الانطباع باستمرار نفس التوازنات، في غياب دينامية سياسية داخلية قادرة على فرض التغيير. الأزمة، لا تقف عند حدود الأحزاب، بل تمتد إلى النقابات والجمعيات وحتى النخب المثقفة، في ما يشبه حالة "موت سياسي" مركب، يعكس اختلالا عميقا في الوسائط التي تؤطر العلاقة بين الدولة والمجتمع. في المقابل، تواصل الدولة تنفيذ مشاريعها الكبرى وأوراشها الاستراتيجية، خاصة تلك المرتبطة بالاستثمارات والبنيات التحتية، في أفق الاستحقاقات الدولية وعلى رأسها تنظيم كأس العالم، وهو مسار يبدو أنه يُدار بمنطق الاستمرارية والاستقرار، دون حاجة ملحة إلى تحولات سياسية كبرى قد تُربك هذا النسق. ضمن هذا التوازن، تتعزز صورة إدارة عمومية قوية وممتدة، تشكل الأداة التنفيذية الأساسية للسياسات العمومية، في مقابل تراجع الدور التأطيري والسياسي للأحزاب، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة "البرنامج السياسي" الفعلي الذي يحكم المرحلة، وحدود مساهمة المؤسسات المنتخبة في صياغته. في المحصلة، تبدو مناقشة الحصيلة الحكومية أقرب إلى تمرين شكلي داخل بنية سياسية تعاني من أعطاب عميقة، حيث يغيب النقاش الحقيقي حول الخيارات الكبرى، ويتراجع الأمل في تحول ديمقراطي يواكب تطلعات جزء واسع من المغاربة، في مشهد يزداد فيه الغموض، وتتسع فيه المسافة بين السياسة والمجتمع.