بعد نحو أسبوع من التعديل الحكومي الأول الذي افتتح به الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ولايته الرئاسية الثانية، تعالت أصوات بعض الأحزاب التي انتقدت الخيارات التي تم تبينها في إسناد الحقائب الوزارية والتي اعتمدت بشكل شبه مطلق على الشخصيات التكنوقراطية، في استمرار لنفس سياسة تبون التي لا تربط بالضرورة ولاء الأحزاب السياسية لإشراكها في الحكومة.
وفي وثيقة سياسية عقب اجتماع مجلسه الوطني، أوضح حزب "جيل جديد" أن تشكيل حكومة تكنوقراطية، بعيدا عن أي تمثيل سياسي حقيقي، "يعكس نية واضحة من السلطة في الاستمرار بمنهج التسيير المركزي المفرط"، وهو ما يشكل تهديدا جديا للمسار الديمقراطي، مسجلا أن هذا الخيار التكنوقراطي يعكس موقفًا سلبيًا تجاه التعددية السياسية، بل وصفه بالموقف المعادي لأي شكل من أشكال السلطة المضادة.
وأوضح "جيل جديد"، أن تهميش الأحزاب وتحويلها إلى مجرد ملحقات إدارية أو أدوات دعم، وإقصاءها من دورها في بناء المؤسسات، يُعد ضربًا لقيم الديمقراطية، مؤكدا أن هذه الممارسات تقوض أسس الدولة الحديثة، حيث لم تعد الانتخابات، "سوى مظاهر شكلية فارغة من محتواها، نتيجة التزوير الممنهج والانتقاء السياسي المبني على الولاء، وهو ما أدى إلى تزايد عزوف المواطنين عن المشاركة السياسية، مما يهدد تماسك الأمة ويعرقل بناء دولة القانون".
واعتبر الحزب، أن "غياب حرية العمل السياسي المستقل أدى إلى انحسار أي نقاش وطني جاد، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى حوار حقيقي"، مبينا أن الدعوات المتكررة للحوار الوطني، التي أُطلقت دون تنفيذ فعلي، تعكس حالة من الانغلاق السياسي، حيث تم تهميش كافة القوى الوطنية الفاعلة. وأضاف أن هذا الإقصاء الممنهج أدى إلى خلق مناخ من عدم الثقة بين المواطن والدولة، ما يفتح المجال لمزيد من التوترات الاجتماعية والسياسية.
وخلص الحزب إلى أن "المسار الديمقراطي في الجزائر يواجه أزمة وجودية عميقة"، لافتا إلى أن التحول السياسي الذي بدأ مع دستور 1989 قد أوشك على الانتهاء، وسط مؤشرات خطيرة تعكس تراجعا واضحا للحريات وإقصاء متعمدا للأحزاب السياسية.
وأكد الحزب في السياق، أن "الاستقالة الشعبية، وفقدان الثقة في العمل السياسي، وغياب الخطاب المضاد، جميعها تعكس فشل النموذج الديمقراطي الذي بدأ في عام 1989″، مضيفا أن العودة إلى الخطاب الواحد والممارسات التسلطية تعبر عن تراجع خطير في المكاسب الديمقراطية.
وتابع أن "هذا الفراغ السياسي، إذا استمر، سيؤدي إلى حالة من العدمية السياسية والاجتماعية، مما يضع البلاد على حافة أزمة كبرى".
وفي نفس المنحى، اعتبر الحزب أن وسائل الإعلام، التي يُفترض أن تكون صوتًا للمجتمع ومراقبًا لأداء السلطة، أصبحت في وضع حرج بسبب الضغوط والإعانات المالية، مشيرا إلى أنها فقدت مصداقيتها ولم تعد قادرة على القيام بدورها في نقل الحقيقة، تاركة المجال ل"خطابات عدمية ومؤثرين مرتزقة خارج البلاد ينشرون الفوضى".
وعلى الصعيد الاقتصادي، أشار الحزب إلى أن الخيارات المعلنة مثل تقليص الواردات ودعم الإنتاج المحلي تستحق التقدير من حيث المبدأ، لكنه أوضح أن الأساليب المتبعة، التي تتسم بالعودة إلى المركزية الاقتصادية وتطبيق نماذج اشتراكية قديمة، ستؤدي إلى نتائج عكسية.
وقال إن التسيير الإداري التسلطي سيعرقل بناء اقتصاد فعال، مشيرا إلى أن الفساد المتجذر في مختلف المستويات سيبقى عائقًا رئيسيًا. وأكد أن تعطيل الدوائر الإنتاجية والتدخل الإداري في الاقتصاد سيخلق حالة من الندرة ويضعف معنويات الفاعلين الاقتصاديين والمواطنين على حد سواء.
وفي الشأن الاجتماعي، أوضح الحزب أن الحكومة تُظهر اهتمامًا ظاهريًا بالقدرة الشرائية، لكنها تعتمد على سياسات ستؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية. وأشار إلى أن التدخل الإداري سيؤدي إلى تفاقم الفساد والندرة وإضعاف جهاز الإنتاج، مما سيزيد من معدلات البطالة.
وأضاف أن الحفاظ على السلم الاجتماعي يجب أن يكون جزءًا من منطق تنموي شامل وليس مجرد إجراءات ظرفية. وأكد الحزب على ضرورة فتح حوار جاد مع الإطارات الشبابية، والأطباء، والمهندسين، ورجال الأعمال بدلاً من المماطلة الحالية، مشيراً إلى أن الحوار هو السبيل الأمثل لتحقيق التوازن الاجتماعي. وأوضح أن التسلط لن يؤدي سوى إلى المزيد من النزاعات والتوترات داخل المجتمع.