في قلب العاصمة الجزائرية، ما زال المشهد الأمني يعكس علاقة معقدة بين الدولة والمجتمع. على أرصفة الشوارع التي شهدت مسيرات الحراك الشعبي، يقف عناصر الأمن في الزوايا، أحيانا كجدار حماية، وأحيانا كقوة ردع. في عيون كثير من الجزائريين، يمثل هؤلاء العناصر تذكيرا بسنوات من التوتر والريبة، تعود جذورها إلى العشرية السوداء، حين تحكمت الأجهزة الأمنية والعسكرية في تفاصيل الحياة اليومية، من السياسة إلى الإعلام، مرورا بالمجتمع المدني. ومع اندلاع الحراك الشعبي سنة 2019، برز السؤال الذي ظل مؤجلا لعقود: كيف يمكن للأجهزة الأمنية أن تتعامل مع مواطن يطالب بالتغيير؟
يروي بعض الشهود مشاهد احتكاك مباشر بين المتظاهرين وقوات الأمن، بينما يؤكد آخرون أن السلطات حاولت فتح قنوات للحوار والمراقبة المدنية، وإن بشكل محدود. ذلك التباين في التجارب يعكس انقساما داخل الوعي الجمعي الجزائري بين الخوف من عودة الفوضى والرغبة في بناء دولة عادلة تُحترم فيها الحقوق.
الصحفي الجزائري محمد بوزيد يصف هذه الإشكالية بقوله: الحراك كشف مدى تغلغل الأجهزة الأمنية في الحياة اليومية، وأظهر الحاجة الماسة لتوازن بين حماية الدولة والاستجابة لمطالب المجتمع. المواطن يبحث عن أمان لا يقترن بالقمع، والأجهزة تبحث عن استقرار لا يعني السيطرة المطلقة.
لقد تركت الذاكرة الجماعية للعشرية السوداء أثرا عميقا في علاقة الجزائريين بالأمن. فبالنسبة إلى جيل التسعينيات، ما زال مفهوم الأمن يرتبط بالمراقبة والاعتقال، لا بالثقة أو الخدمة العامة. في المقابل، تحاول الدولة منذ عقدين إعادة صياغة هذه العلاقة عبر سياسات جديدة تهدف إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الأمن الوطني، لا باعتباره أداة قمع، بل بصفته ضامنا للاستقرار وحماية للمجتمع من الإرهاب والانقسام.
إلا أن هذا التحول يواجه تحديات كبيرة. الأمن في الجزائر ليس مؤسسة منفصلة عن السياسة، بل جزء من بنيتها الأساسية. فالأجهزة الأمنية، وعلى رأسها جهاز المخابرات (DSS/DRS سابقا)، ما تزال تمارس أدوارا تتجاوز المهام التقنية، لتشمل ضبط المجال العام، وتوجيه الحياة الحزبية والإعلامية، ومراقبة النشاط السياسي والاجتماعي.
وبين خطاب السلطة الذي يؤكد على واجب الحفاظ على الأمن الوطني، وخطاب الشارع الذي يطالب بضمان الحريات الفردية والجماعية، يقف المجتمع الجزائري أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن بناء الثقة في مؤسسة كانت لعقود رمزا للخوف؟
إن إعادة الثقة لا تتم فقط عبر إصلاحات قانونية أو إدارية، بل تحتاج إلى تحول ثقافي داخل الأجهزة الأمنية نفسها، وإلى رؤية جديدة ترى المواطن شريكا في حماية الدولة، لا مجرد موضوعٍ للمراقبة. ومع ذلك، ما تزال هذه العملية بطيئة محكومة بتوازنات عسكرية وسياسية تجعل الإصلاح الأمني في الجزائر جزءا من معركة أعمق حول طبيعة السلطة والدولة.
يخلص خبراء قضايا الأمن المغاربي إلى أن الجزائر تمتلك جهازا أمنيا شديد الكفاءة، لكنه في الوقت نفسه أسير لتاريخ ثقيل من السرية والهيمنة. لذلك فالإصلاح الحقيقي لن يكون في تغيير الهياكل فحسب، بل في تغيير الفلسفة التي تحكم العلاقة بين الأمن والمواطن.
على الأرض، تتجلى هذه المعضلة بوضوح. فحضور عناصر الأمن في الساحات العامة والمباني الحكومية لا يزال كثيفا، لكن حضورهم في وعي المواطن لا يزال ملتبسا. البعض يراهم ضمانة للاستقرار في منطقة مضطربة، وآخرون يرونهم امتدادا لنظام لا يسمح بالمساءلة.
ومع مرور الوقت، يبدو أن الدولة تحاول الموازنة بين هذين الوجهين، الصرامة والاحتواء. فهي من جهة لا تتسامح مع الفوضى أو التهديدات الأمنية، لكنها من جهة أخرى تدرك أن الاستقرار لا يمكن فرضه بالقوة وحدها، بل يحتاج إلى شرعية اجتماعية وثقة متبادلة.
نحو توازن جديد بين الدولة والمجتمع
تكشف التجربة الجزائرية أن الأمن ليس مجرد قطاع إداري، بل مرآة تعكس علاقة الدولة بمواطنيها. فبعد عقود من التسييس المفرط للأجهزة الأمنية، بدأت تظهر بوادر وعي داخل النخبة السياسية بأهمية إعادة تعريف وظيفة الأمن في سياق دولة مدنية حديثة.
يقول الباحث السياسي محمد هناد: الأمن في الجزائر ظل سياسيا بامتياز، فهو ليس مجرد جهاز تقني بل أداة لتكريس سلطة الدولة وضبط المجال العام. بهذا المعنى، يصبح فهم تاريخ الأمن في الجزائر مفتاحا أساسيا لفهم طبيعة الدولة نفسها، وحدود العلاقة بين السلطة والمجتمع، بين الثورة والدولة، وبين الجيش والسياسة.
طوال عقود، ظل جهاز المخابرات (DRS) يُوصف بأنه الحاكم الفعلي في الظل، يراقب الجميع ويتحكم في مسار الأحداث من وراء الستار. وحتى بعد حله رسميا سنة 2015، لم تختفِ بنيته بالكامل، بل أعيدت هيكلته ضمن مؤسسات جديدة حملت أسماء مختلفة، في محاولة لإعادة ضبط التوازن بين الجيش والرئاسة. ومع ذلك، ظل السؤال قائما: هل يمكن تصور دولة جزائرية بلا نفوذ أمني قوي؟
ومع أن الطريق لا يزال طويلا، فإن النقاشات المتصاعدة في الصحافة والمجتمع المدني حول إصلاح الأجهزة الأمنية وتحديثها تمثل خطوة أولى نحو هذا التحول. فالجزائريون اليوم لا يطالبون بإلغاء الأمن، بل بإخضاعه للمساءلة والشفافية، وجعله في خدمة المواطن، لا فوقه.
في النهاية، يمكن القول إن الجزائر تقف أمام مفترق طرق تاريخي، إما أن يظل الأمن أداة هيمنة سياسية وعسكرية تُعيد إنتاج الماضي، أو أن يتحول إلى ركيزة لبناء الثقة والاستقرار الحقيقي. وما بين الخيارين، يبقى مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع رهينا بقدرة الجزائر على تحقيق التوازن بين حماية النظام واحترام المواطن.
ربع قرن من الصراعات الأمنية
منذ مطلع الألفية الجديدة، دخلت الجزائر مرحلة جديدة في تاريخ أجهزتها الأمنية، مرحلة حملت معها صراعات داخلية وتصفيات ومحاكمات، وهروب مسؤولين كبار لتكشف هشاشة النظام الأمني والسياسي في البلاد.
الجنرال محمد مدين، المعروف باسم توفيق، كان شخصية محورية في هذا المشهد. منذ توليه قيادة جهاز المخابرات العسكرية (DRS)، أصبح يُلقب بصانع الرؤساء، إذ كانت خطوة سياسية وأمنية في البلاد تحمل بصمته الخاصة. سنوات حكمه الطويلة شهدت تعزيز نفوذ المخابرات داخل السياسة، وتحكمها في مفاصل الدولة. لكن في 2015، جاء القرار التاريخي، إقالته من منصبه على يد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، في خطوة اعتبرها كثيرون صراعا داخليا لتقليص نفوذ المخابرات، بينما رأى آخرون أنها محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى.
في الجانب العسكري، يبرز الجنرال خالد نزار، وزير الدفاع السابق، الذي لعب دورا كبيرا في التسعينيات أثناء العشرية السوداء. كان نزار العقل المدبر للقرارات العسكرية والأمنية، محاربا للجماعات المسلحة، لكنه بعد خروجه من السلطة وجد نفسه في مواجهة نقد واسع حول دور الجيش في الأحداث الدموية. في نهاية المطاف، اختار الهروب إلى إسبانيا، حيث طلب اللجوء السياسي، ليصبح مثالا على المصير غير المستقر للكبار في السلطة الجزائرية.
ومع دخول السنوات الأخيرة، صعد الجنرال عبد القادر حداد، المعروف بلقب ناصر الجن، إلى واجهة الأحداث. تولى قيادة جهاز الأمن الداخلي (DGSI) سنة 2024، مقربا من الرئيس عبد المجيد تبون، ليصبح محورا جديدا في الصراعات داخل السلطة. لكن في 2025، حدثت المفاجأة، الإقالة والاحتجاز، ثم الهروب المفاجئ، وسط تقارير تشير إلى تهديد حياته ومحاولات تصفيته. هذا الهروب شكل زلزالا أمنيا، وكشف عن الانقسامات العميقة داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الاستخباراتية.
ربع القرن الأخير في الجزائر يكاد يكون قصة صراع مستمر على النفوذ والسيطرة. من توفيق صانع الرؤساء، إلى نزار اللاجئ، وصولا إلى الهارب ناصر الجن، يظهر بوضوح أن الأجهزة الأمنية ليست مجرد أدوات لحماية الدولة، بل امتدادا للسيطرة السياسية، حيث تتقاطع السلطة مع الصراع الداخلي، وتتحول محاكمات المسؤولين واغتيالاتهم وهروبهم إلى رموز لماهية الأمن في الجزائر: غير مستقر ومتقلب ومحكوم بصراعات خفية.
في شوارع الجزائر العاصمة تتحرك الأجهزة الأمنية بحذر شديد، فكل خطوة مراقبة، وكل قرار سياسي مرتبط بالسطوة العسكرية والمخابراتية، بينما يظل المواطن متأثرا بغياب الاستقرار والشفافية. هذه الصورة تعكس بوضوح هشاشة النظام الأمني الجزائري خلال ربع القرن الأخير، وتطرح السؤال الكبير: هل يمكن لهذا الأمن، الذي كان أداة صراع داخلي، أن يتحول يوما إلى رافعة استقرار حقيقية للبلاد والمجتمع؟