المتتبع للمشهد السياسي المغربي الراهن، يلحظ تحولات جذرية أرخت بظلالها على وضع المناضلين الشباب داخل الأحزاب السياسية، وتراجع أدوارهم و اهتمامهم بالفعل السياسي عموما.
فعلى عكس جيل الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، الذي كان يؤمن بأن العمل الحزبي يعد خيارا استراتيجيا من أجل التغيير وبناء المستقبل، فإن جيلا جديدا بات يتعامل اليوم مع الأحزاب السياسية بشك وريبة، إن لم يكن بعداء صامت.
هذا التحول كان نتيجة تراكمات طبعت الحياة السياسية المغربية فأدت إلى تراجع الحماس السياسي لدى الشباب، الذين باتوا يرون أن العمل الحزبي لم يعد قناة حقيقية للتعبير أو التأثير، فأصبحوا يفضلون التعبير عبر الفضاء الافتراضي أو الجمعيات المدنية، بدل الانضمام والانخراط في هياكل حزبية، تسعى إلى السلطة أكثر من سعيها إلى الإصلاح.
هو عزوف سياسي أضحى سمة بارزة في المشهد العام، يدفع إلى طرح تساؤلات جوهرية حول أسباب هذا الانفصال بين الشباب والمؤسسات الحزبية، وأزمة ثقة نتجت عن أزمة غياب المصداقية، وغياب الآليات الديمقراطية داخل الهياكل الحزبية، فواقع الحال يقول أن مجمل الأحزاب في الساحة السياسية المغربية يعتريها داء الزعامة الأحادية، أو ظاهرة ما بات يشاع خلال المؤتمرات الوطنية لهذه الأحزاب"المرشح الوحيد، بمبرر غياب البديل".
هي ممارسات مسيئة، باتت ترسم صورة سلبية عن الأحزاب في المغرب، باعتبارها فضاءات مغلقة، تدار بمنطق الولاءات لا بمنطق الكفاءة، لم تعد معها الاحزاب السياسية تلعب أدوارها التقليدية بالشكل المطلوب والمعتاد، ومن أهمها تكوين الشباب وتأطيرهم وتشجيعهم على المشاركة السياسية، من خلال آليات التواصل المستمر والدائم، وتفعيل أدوار المقار المحلية والإقليمية والجهوية والوطنية، و إجراء دورات تدريبية للمساهمة في بناء وتطوير قدرات الشباب الفكرية، وجعلهم شركاء حقيقيين في صنع القرار، وتكييف هياكل الاحزاب السياسية لتكون أكثر جاذبية لهم، من خلال تخصيص مقاعد خاصة بالشباب، ودعم أجنحتهم وتلبية احتياجاتهم، وتقديم فرص حقيقية لتمكينهم من المساهمة في صناعة والتأثير في السياسات على كافة المستويات، حتى تقنعهم بالمشاركة في الحياة السياسية.
وكما يعلم الكثيرون بأن هذه الأدوار باتت مغيبة عند معظم الأحزاب السياسية المغربية، أو أنها أصبحت ظرفية وموسمية في أحسن الأحوال، لا تظهر إلا مع اقتراب مواعيد الاستحقاقات الانتخابية، وضع دفع الكثير من المراقبين إلى تحميل الأحزاب السياسية مسؤولية تقصيرية في لعب دورها المأمول.
فتهميش الشباب والتشكيك في مؤهلاتهم، يبقى من اهم الأسباب التي تجعلهم ينفرون من الانتماء إلى الأحزاب السياسية، رغم مقاومتهم لكل الأساليب الممارسة ضدهم داخل "المجتمع السياسي"، في ظل تكريس معاني "الزبونية السياسية"و"الانتفاعية والمصلحية"، مما ساهم في ولادة أحزاب "عائلية" على وزن المقاولات العائلية، بشكل باتت معه العائلة والأسرة في المجلس البلدي والقروي والبرلمان وحتى الحكومة، مقابل تهميش المناضلين من أبناء الشعب الذين "يقطعون أحديتهم مع أحزابهم"، هذا في وقت تنادي فيه الاحزاب السياسية بالديمقراطية و"تراوغ" في ممارستها وتطبيقها على أرض الواقع، أحزاب تنادي وتخطط لتأطير مناضليها، لكن ذلك يبقى مجرد حبر على ورق، تنادي بالنزاهة والشفافية في تدبير المؤتمرات ، وتعد بتحقيق الديمقراطية الداخلية، وإشراك الأطر والكفاءات، وترشيح الشرفاء والنزهاء، لكن كل ذلك تكاد لا تجد له أثرا في الممارسة، ويظل مجرد خطاب وكلام بلا معنى عند الغالبية العظمى لهذه الأحزاب وزعمائها.
أظن أنه ومع هذه الإصلاحات الانتخابية المهمة وغير المسبوقة في تاريخ الحياة السياسية المغربية، فإن الأحزاب السياسية أمام فرصة تاريخية لاسترجاع هيبتها ودورها داخل المجتمع المغربي، ولعل من أهم مداخلها مصالحة الشباب مع الفعل السياسي والاهتمام بالممارسة السياسية، وهو ما يلزمها اليوم بحث الشباب على الانخراط المكثف في الحملات التحسيسية التي تعرف بأهمية التسجيل في اللوائح الانتخابية المفتوحة، ضمن المراجعة السنوية للوائح الانتخابية لسنة 2026، التي ستظل مفتوحة إلى غاية 31 دجنبر 2025، مع الانخراط القوي في التحسيس والمواكبة المباشرة لعملية التسجيل.
أهداف يفرض تحقيقها على هذه الأحزاب السياسية، تكثيف لقاءاتها التواصلية المباشرة مع الشباب من جهة، وباقي غير المسجلين في اللوائح الانتخابية من جهة ثانية، بغرض شرح مختلف الإجراءات والمساطر المتعلقة بعملية التسجيل، مما سيساعد على ضمان وصول المعلومات الدقيقة إلى أكبر عدد ممكن من المواطنات والمواطنين.
ينضاف هذا إلى ضرورة العمل على تعبئة المواطنين، وخاصة فئة الشباب، لتعزيز مشاركتهم في الحياة السياسية، وممارستهم لحقهم الدستوري في تدبير الشأنين الوطني والمحلي.
بدورها الشبيبات الحزبية تتحمل جزءا من المسؤولية، فرغم وجود عدد من الشبيبات الحزبية على الصعيد الوطني، إلا أن عملها يكاد لايجد له صدى، إلا لبعضها على المستوى الميداني، وهذا الأمر يكرس العزوف والإحباط في صفوف هذه الفئة الحيوية من المجتمع.
الاكيد أننا اليوم أمام مبادرة أطلقتها الأحزاب السياسية، تقوم على دعوة الشباب إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية، تزامنا مع المراجعة السنوية لهذه اللوائح، خطوة أراها مهمة لإعادة الثقة ومصالحة الشباب مع الفعل السياسي، وتحفيزهم على المشاركة في الاستحقاقات المقبلة، صحيح أنه وفي ظل واقعنا السياسي، يصعب اليوم إقناع الشباب بالعملية السياسية، بل الصعوبة حتى في التواصل معهم، لكن وبعد الإصلاحات الانتخابية التي تعرفها البلاد، والدعم الكبير الذي سيمنح للمرشحين الشباب، الذين يرغبون في الترشح خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، من شأنه أن يسهل المهمة على الأحزاب السياسية لإقناع الشباب بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، والانخراط في الحياة السياسية المغربية.
وواقع الحال أن بعض الأحزاب السياسية، تجد نفسها اليوم ملزمة بالتجاوب مع مطالب الشباب والاعتراف بهم، والإيمان لزاما بضرورة تجديد الدماء، وصراع الأجيال وتعاقبها، الأمر الذي ولد داخلها من جديد الرغبة في عضوية البرلمان وباقي المؤسسات التمثيلية، ولما لا تحمل مسؤوليات حكومية، بوصفها حقا مشروعا، لكنه اصطدم ببعض العقليات المتحجرة من داخل بعض الأحزاب السياسية و قادتها، وبمشهد انتخابي صعب المراس، "محتل ومستعمر" من طرف أناس احترفوا الانتخابات وسيطروا بذلك على بعض الأحزاب السياسية وقيادتها، هؤلاء منهم فريق بات يمثل الأقلية " الصالحة" وفريق آخر يمثل الأغلبية " الطالحة "، وذلك بحسب كثير من المراقبين.
سياسيون و"كائنات" انتخابية، يحلم معظم المغاربة باختفائها من المشهد السياسي، خاصة في ظل الاصلاحات الانتخابية التي تشهدها البلاد، حتى لا تتكرر نفس السيناريوهات، وتولد نفس الوجوه ونفس العقليات.
فعبر التاريخ، كان للشباب دور محوري في حركة التغيير والإصلاح في المجتمعات، بوصفهم وقود التطور، وأكيد أن انخراطهم في أي عملية إصلاحية ستكون في مصلحة البلاد، كما أن مصالحة الشباب مع السياسة، من شأنه أن يساهم في الدفع بالدينامية السياسية.
فحينما تتاح للشباب الفرصة للانخراط الفعال والايجابي في المؤسسات والأحزاب والشبيبات، وكلما فتح لهم باب الانخراط والإسهام في هذه الدينامية، كلما أبلوا البلاء الحسن في تقديم مقترحات والدفع بعجلة التنمية عبر بوابة الإصلاح.
لكن عكس ذلك، فكلما أغلقت أبواب المشاركة السياسية في وجوههم، كلما تواروا إلى الوراء، وابتعدوا نهائيا عن المشهد، وانتقل معظمهم إلى فضاءات أخرى غير مؤسساتية، للتعبير عن مواقفهم بشكل قد يكون حتى خارج إطار القانون.
فالشباب يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى لاستعادة الثقة في العمل السياسي، وهذا لن يتأتى إلا بممارسة هذه الاحزاب لأدوارها بكل قوة، من خلال أنشطة مجالية ومحطات للتكوين والتأطير مستمرة ومتواصلةعلى مدار السنة، وليست ظرفية تتزامن مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.