يمثل التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة أحد الركائز الأساسية للممارسة الديمقراطية في المغرب، حيث لا يقتصر دوره على تمكين المواطن من المشاركة في عملية انتخابية معينة، بل يمتد تأثيره ليشمل نطاقا واسعا من الحقوق الدستورية والسياسية المرتبطة بالمواطنة، كما يعتبر شرطا أساسيا لتفعيل الحقوق التي كرسها دستور 2011، سواء في إطار الديمقراطية التمثيلية التي تقوم على اختيار ممثلي الشعب وممارسة السيادة الشعبية عبر الانتخابات، أو الديمقراطية التشاركية التي تمكن المواطنين من المشاركة في تدبير الشأن العام عبر مجموعة من الآليات الدستورية والقانونية. ويعد القيد في اللوائح الانتخابية مدخلا بنيويا يضمن أن يكون المشارك في العملية الديمقراطية مواطنا مؤهلا قانونيا، كما أنه يشكل شرطا ضروريا لممارسة الحقوق السياسية المرتبطة بالمشاركة في الحياة السياسية وتدبير الشأن العام.
فإلى أي حد يعد التسجيل في اللوائح الانتخابية شرطا تأسيسيا لممارسة الحقوق الدستورية والسياسية بالمغرب، وكيف يتجسد أثره في تعزيز الديمقراطية التمثيلية والتشاركية؟
يتفرع عن هذا السؤال عدة جوانب تتعلق بتحديد الحقوق التي تتوقف فعاليتها على صفة الناخب، وتوضيح طبيعة العلاقة بين هذه الحقوق والمشاركة الفعلية في الحياة السياسية، سواء من منظور التمثيل أو المشاركة المباشرة والمراقبة.
أولا: الحقوق المرتبطة بالديمقراطية التمثيلية
تعتبر الديمقراطية التمثيلية شكلا من أشكال ممارسة السيادة الشعبية، الذي يتيح للمواطنين اختيار ممثليهم في المؤسسات التشريعية والتنفيذية المحلية والوطنية. ويعد التسجيل في اللوائح الانتخابية المدخل القانوني الأساسي لممارسة هذه الديمقراطية. ومن أبرز الحقوق المرتبطة به:
1. الحق في التصويت: حيث ينص الفصل 30 من دستور 2011 في فقرته الثانية على أن: "التصويت حق شخصي وواجب وطني لكل مواطن ومواطنة." غير أن هذا الحق، رغم كونه مكتسبا دستوريا، لا يتحقق فعليا إلا من خلال القيد في اللوائح الانتخابية العامة. فبدون التسجيل، لا يمكن للمواطن ممارسة حقه في انتخاب ممثليه في البرلمان، المجالس المحلية، أو أي استحقاقات انتخابية أخرى، كما يشكل هذا التسجيل ضمانة قانونية لمنع تزوير العملية الانتخابية وضمان صحة نتائجها.
2. الحق في الترشح للانتخابات: يرتبط الحق في الترشح ارتباطا وثيقا بالحق في التصويت، كما نص عليه أيضا الفصل 30 من الدستور: "لكل مواطنة ومواطن، الحق في التصويت، وفي الترشح للانتخابات، شرط بلوغ سن الرشد القانونية، والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية"، إذ تشترط القوانين التنظيمية (المادة 7 من القانون التنظيمي رقم 57.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية، والمادة 3 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب) القيد في اللوائح الانتخابية لقبول ملفات الترشح.
وبذلك، يصبح التسجيل في اللوائح الانتخابية شرطا شكليا وجوهريا لتمكين المواطن من الترشح لأي استحقاق انتخابي، وهو يعكس فلسفة دستورية تقوم على ربط الحق في التعبير السياسي بممارسة المواطنين لواجبهم الانتخابي.
3. حق المشاركة في تأسيس الأحزاب السياسية وإدارتها: ينص الفصل 7 من الدستور على أن الأحزاب السياسية تعمل على تأطير المواطنين وتكوينهم سياسيا، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، والمشاركة في ممارسة السلطة. ويقيد القانون التنظيمي رقم 29.11 المؤسسين والمسيرين لأي حزب بضرورة توفر صفة الناخب لديهم. حيث يعكس هذا الشرط المنطق الدستوري الذي يجعل من صفة الناخب مدخلا أساسيا للانخراط في تنظيم سياسي مؤسس ومؤثر، ويضمن أن المشاركين في الأحزاب هم مواطنون لهم الحق الكامل في المشاركة السياسية والانتخابية.
ثانيا: الحقوق المرتبطة بالديمقراطية التشاركية
إلى جانب الديمقراطية التمثيلية، كرس دستور 2011 مجموعة من آليات المشاركة المباشرة التي تتيح للمواطنين مجموعة من الحقوق الدستورية التي تبقى مشروطة بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، الأمر الذي يجعل صفة الناخب شرطا أساسيا لممارستها. ومن أبرز هذه الحقوق، نجد:
1. الحق في تقديم وتوقيع ملتمسات التشريع: ينص الفصل 14 من الدستور على حق المواطنين في تقديم الملتمسات المتعلقة بتعديل أو وضع نصوص تشريعية جديدة، ويحدد القانون التنظيمي رقم 64.14 شروط ممارسته. ويشترط القانون أن يكون مقدمو الملتمسات والموقعون عليها مقيدين في اللوائح الانتخابية، لضمان جدية العملية وتوافقها مع القواعد القانونية.
2. الحق في توقيع وتقديم العرائض إلى السلطات العمومية: ينص الفصل 15 من الدستور على حق المواطنين في توجيه طلبات مكتوبة إلى السلطات العمومية تتضمن مطالب أو مقترحات أو توصيات، ويشترط القانون التنظيمي رقم 44.14 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية في المادة 2 منه أن يكون أصحاب العريضة من المواطنات والمواطنين المقيمين بالمغرب أو خارجه الذين اتخذوا المبادرة لإعداد العريضة ووقعوا عليها، متمتعين بحقوقهم المدنية والسياسية ومقيدين في اللوائح الانتخابية العامة. وهو ما يعكس الربط بين المشاركة التشاركية وبين الشرعية القانونية للمواطن الممارس.
3. الحق في ملاحظة الانتخابات كآلية رقابية: يشكل حق ملاحظة الانتخابات مثالا على الديمقراطية التشاركية الرقابية، إذ يتيح للمواطنين والمنظمات القانونية متابعة سير العملية الانتخابية، وجمع البيانات اللازمة لتقييم مدى احترام القواعد الدستورية والقوانين التنظيمية والمعايير الدولية، وإعداد تقارير تتضمن توصيات للسلطات.
وينص القانون رقم 11.30 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات الملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات في مادته 5 على شرط أن يكون الملاحظون والملاحظات المغاربة المقترحون للقيام بمهمة ملاحظ الانتخابات مسجلين في اللوائح الانتخابية وغير مترشحين في أي دائرة من الدوائر الانتخابية برسم الانتخابات الجاري تنظيمها. ويعكس هذا الحق أهمية تسجيل المواطنين في اللوائح الانتخابية ليس فقط للمشاركة التقريرية، بل أيضا للمساهمة في تعزيز الشفافية والنزاهة الديمقراطية.
4. الحق في المشاركة في الاستفتاء: يعد الاستفتاء الشعبي آلية مركزية من آليات الديمقراطية المباشرة، التي تمكن المواطنين من اتخاذ قرارات مباشرة في قضايا وطنية أو دستورية. ويقيد القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء ممارسة هذا الحق بتسجيل المواطنين في اللوائح الانتخابية العامة، حيث تنص المادة 47 منه على أنه: "يشارك في الاستفتاء: الناخبون المقيدون في اللوائح الانتخابية العامة"، وهو ما يعكس دور التسجيل كشرط أساسي لتمكين المواطنين من المشاركة الفعلية في الاستفتاءات وضمان شرعيتها القانونية.
يتضح أن التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة يشكل شرطا مؤسسا لتفعيل مجموعة واسعة من الحقوق الدستورية والسياسية، سواء في إطار الديمقراطية التمثيلية أو التشاركية. فالحق في التصويت والترشح وتأسيس الأحزاب وتقديم الملتمسات والعرائض وملاحظة الانتخابات جميعها تتوقف على صفة الناخب، وهو ما يؤكد أن التسجيل مدخل حيوي لممارسة المواطن لحقوقه السياسية.
ومن ثم، فإن ضعف الإقبال على التسجيل أو إهماله يؤدي إلى إقصاء المواطنين من ممارسة حقوقهم الدستورية، ويضعف ترسيخ المواطنة الفاعلة وبناء ديمقراطية تشاركية حقيقية قائمة على المشاركة، الرقابة، والشفافية.