وضعت لجنة الانضباط التابعة للكونفدرالية الافريقية لكرة القدم خاتمة قانونية للأحداث التي عرفها نهائي كأس افريقيا للأمم نسخة المغرب 2025 بإصدارها لعقوبات تأديبية في حق الجانبين المغربي والسنغالي تراوحت بين الإيقاف والغرامات المالية، بالإضافة إلى رفض الاعتراض الذي تقدمت به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم . وفي ظل عدم اكتمال الصورة لكون القرار المتضمن للحيثيات القانونية المعتمدة في الإدانة لم يتم نشره بعد، وقبل أن أتطرق للعقوبات الصادرة وإبداء موقف منها من الناحية القانونية والرياضية لابد وأن أوضح في قراءة أولية مسألة رئيسية وهامة تتمثل في كون الكونفدرالية الافريقية لكرة القدم باشرت عن طريق لجنة الانضباط بشكل تلقائي مسطرة تأديبية في حق الجامعة السنغالية لكرة القدم ومدرب وبعض لاعبي منتخبها من جهة ، وأخرى في مواجهة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم وبعض لاعبيها ، وذلك على ضوء تقرير الحكم الرئيسي للمباراة، وتقرير مندوب المباراة. كما عالجت بشكل موازي مسطرة الاعتراض الذي تقدمت به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في إطار مقتضيات المادة 43.5 من لائحة المسابقة في مواجهة الاتحاد السنغالي لكرة القدم ومدربه ولاعبي منتخبه الوطني. وبعيدا عن منطق التحليل العاطفي وانسجاما مع التحليل العقلاني القانوني وجب التأكيد على مسألة كان يتم التأكيد عليها في عدة محطات وهي أن المباراة انتهت بصافرة الحكم الكونغولي بعد استنفاذ الوقت الأصلي والإضافي والتي انتهت بفوز المنتخب السنغالي باللقب ، وبالتالي كان احتمال الغاء نتيجتها ضعيفا وضعيفا جدا رغم أنه كان واردا من الناحية القانونية ، من جهة أخرى كانت جميع التحليلات القانونية تجزم على أن لجنة الانضباط ستصدر عقوبات مشددة على مدرب وبعض لاعبي المنتخب السنغالي والاتحاد السنغالي لكرة القدم نظير الأحداث المسيئة التي عرفها نهائي ، أولا استنادا للوائح الكاف ، ثم ثانيا عطفا على بلاغ الكاف في ليلة المباراة والذي أدان تلك الأفعال بشدة ، وهو الأمر الذي لم يتم، لتكون بذلك عقوبات لجنة الانضباط مشجعة على عدم الانضباط. لكن ومن زاوية تحليل أخرى وجب القول بأن المقتضيات القانونية الواردة في اللائحة الانضباطية للكاف ( نسخة 2018 ) الجاري بها العمل حاليا أصبحت متجاوزة في مجموعة من موادها سواء من الناحية الإجرائية أو من الناحية الموضوعية ، بحيث أن مجموعة من العقوبات المضمنة بها متساهلة جدا مع بعض الأفعال التي تكتسي خطورة كبيرة أو متوسطة، خاصة وأنه كان على المكتب التنفيذي للكاف ومعه الجمعية العمومية التفكير في تعديل اللائحة مباشرة بعد الأحداث المشينة التي عرفها نهائي عصبة الأبطال الافريقية بين نادي الوداد الرياضي ونادي الترجي الرياضي وتداعياته على كرة القدم الافريقية سنة 2019. وبالتالي وجب الانتباه إلى هذه المسألة المهمة والترافع من أجل تعديل اللائحة الانضباطية ومراجعتها وملائمتها مع الظرفية الحالية بعد مضي أكثر من ستة سنوات على اللائحة الأولى من أجل تعزيز النزاهة والأخلاق الرياضية . مع العلم بأن الاتحاد الدولي لكرة القدم يقوم بتحيين لائحته التأديبية تقريبا كل سنة أو سنتين. هذا وسأحاول من خلال نقطتين سريعتين توضيح بعض المعارف القانونية المرتبطة بالعقوبات الصادرة للمهتمين وفق ما يلي:
أولا : بشأن فتح المسطرة التأديبية التلقائية كما سبق والإشارة إلى ذلك في تحليلات سابقة تخوّل اللائحة الانضباطية للكونفدرالية الافريقية لكرة القدم للجنة الانضباط إمكانية فتح مسطرة تأديبية بشكل تلقائي ضد المخالفات أو الأفعال المضمنة بتقارير رسميي المباراة وخاصة الحكم الرئيسي ومندوب المباراة والتي تشكل انتهاكا للائحة الانضباطية استنادا على مقتضيات المادة 43 من اللائحة التأديبية. وعلى ضوء العقوبات الصادرة يظهر جليّا بأن لجنة الانضباط استندت في إيقاع الإدانة والعقوبة فقط على ما دوّن بتقارير الحكم الرئيسي ومندوب المباراة( لا نتوفر على هذه التقارير للتعليق عليها ) ولم يتم الاستناد على لقطات الفيديو التي تظهر سلوكات مشينة لبعض اللاعبين الأخرين للمنتخب السنغالي الذين لم تطلهم المسطرة التأديبية. وهنا وجب الإشارة إلى بعض المبادئ أو العناصر التي ترتكز عليها اللجان التأديبية في مباشرتها للمسطرة التأديبية وإيقاع العقوبة وفي مقدمتها مبدأ شرعية العقوبة " « Légalité de la sanction بمعنى أنه لا يمكن إيقاع عقوبة إلا إذا كانت منصوص عليها في اللائحة الانضباطية أو لائحة المسابقة ، أو في حال عدم وجودها اللجوء إلى لوائح أعلى هيئة كروية وهي الاتحاد الدولي لكرة القدم ، ثانيا وجود الخطأ التأديبي « L'erreur disciplinaire » بمعنى ضرورة وجود وسائل إثبات قطعية على وجود الخطأ فعليا سواء كان إيجابيا أو سلبيا يشكل انتهاكا للوائح الجاري بها العمل ، سواء كان عمديا أو غير عمدي ، ثم ثالثا مبدأ تناسب العقوبة « La sanction doit être proportionnée a la faute » بمعنى وجوب تقدير السلطة التأديبية للجزاءات بشكل يتناسب مع فداحة الفعل أو بساطته ، ثم شخصية مرتكبه ، وكذا الظروف المحيطة به . ورابعا مبدأ التدرج في العقوبات التأديبية « Application progressive des sanctions » وهو مبدأ يضمن العدالة ويتناسب وخطورة المخالفة، بمعنى إنزال عقوبات من الأدنى للأعلى حسب درجة الخطورة ، خامسا ضمانات حقوق الدفاع Garanties du droits à la défense » " أي لابد من تمكين الأطراف من حق الدفاع وتقديم وسائل الاثبات خلال جميع إجراءات للتحقيق وكذا جلسات استماع ضمانا للمحاكمة العادلة . من جهة أخرى يظهر من خلال العقوبات الرياضية والمالية الصادرة عن لجنة الانضباط أن هذه الأخيرة تشبثت بحرفية النصوص بطريقة كلاسيكية ومعتادة في المادة الجزائية بعيدا عن التوسع في شرحها أو تفسيرها ( قاعدة عدم التوسع في تفسير النص الزجري) وأنها استعملت سلطتها التقديرية في تحديد الجزاءات المناسبة على المخالفات موضوع فتح المسطرة التأديبية ( مبدأ التناسب بين العقوبة وجسامة الفعل المرتكب من طرف أحد رسميي المباراة وظروف ارتكابه ) المؤطرة بنص المادة 31 من اللائحة التأديبية ، تماشيا مع الوقائع التي تم تضمينها في تقارير الحكم ومندوب المباراة. ولابد من الإشارة إلى أن عقوبات لجنة الانضباط لن تعجب أي طرف ، لأن لكل واحد زاوية رؤيته للأحداث وانتظاراته للعقوبات سواء الجانب المغربي أو الجانب السنغالي ، وهنا استحضر مقولة فرنسية شائعة في هذا السياق: On ne peut pas plaire à tout le monde »" بمعنى لا يمكنك إرضاء الجميع وهو مبدأ أساسي في علم النفس.
ثانيا: بشأن الاعتراض المقدم من طرف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. مارست الهيئة الكروية الوطنية حقها في تقديم شكاية أمام لجنة الانضباط على خلفية سلوكات مدرب ولاعبي المنتخب السنغالي مطالبة بتطبيق مقتضيات المادة 82 و84 من لائحة المسابقة ، ويظهر بأن اللجنة لم تقتنع بدفوعات الطرف المغربي ووسائل إثباته مما ارتأت معه رفض الطلب . ويبقى من حق الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ، والاتحاد السنغالي لكرة القدم الطعن في قرارات لجنة الانضباط داخل أجل ثلاثة أيام من تبليغهما بالقرار معلّلا أمام اللجنة الاستئنافية في إطار حق التقاضي على درجتين . كما أظن بأن هذا الملف سيصل لامحالة لعرضه على أنظار محكمة التحكيم الرياضي بلوزان. لكن ورغم هذا وذاك وجب ألا ننساق وننجرف وراء تحليلات خارج السياق الرياضي للأحداث، لأن المفهوم الرئيسي والأساسي لرياضة كرة القدم في عمقها الأول والأخير أنها مجرد لعبة تؤثر في مشاعر الملايين، صحيح أن لها عوائد مالية واقتصادية، ولا أبعاد اجتماعية وثقافية وأحيانا سياسية، لكن من المفيد والمجدي أن نحتكم لسلطان العقل، لا لسلطان القلب، فالرياضة في فلسفتها تجمع ولاتفرق، وأن على الجميع تقبل ثقافة الهزيمة كما ثقافة الانتصار، وأن نواصل بناء مسارنا الرياضي اللامع بشكل عادي وثابت ، وأن نقوم بتقييم الدورة من كافة النواحي ونخرج بالخلاصات المناسبة من أجل الاستثمار في النجاحات، وتجاوز العثرات.