مع تعرض القواعد العسكرية الأمريكية بمنطقة الخليج لضربات جوية إيرانية ردا على العدوان الإسرائيلي الأمريكي على طهران، عاد إلى الواجهة موضوع القواعد العسكرية من خلال التساؤل عن أعدادها ومواقعها وأهدافها. ووفق تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس في يوليوز 2024، فإن الجيش الأميركي يمتلك أو يستخدم أكثر من 128 قاعدة عسكرية في 51 دولة في العالم.
وتؤدي القواعد العسكرية الأميركية في الخارج مجموعة واسعة من الوظائف الإستراتيجية والأمنية، تبدأ بتوفير مساحات آمنة لتمركز القوات وحفظ المعدات العسكرية، بما يضمن للولايات المتحدة الحفاظ على قدراتها القتالية خارج أراضيها واستخدامها عند الحاجة.
وإلى جانب ذلك، تضطلع هذه القواعد بمهام استخباراتية متقدمة، مثل التنصت الإلكتروني ورصد الاتصالات، بهدف الكشف المبكر عن التهديدات التي قد تستهدف الولاياتالمتحدة أو حلفاءها وشركاءها، إضافة إلى حماية القوات والمنشآت والمناطق الحيوية باستخدام أنظمة دفاعية متعددة، تشمل الرادارات ومنظومات الاعتراض الصاروخي.
واعتمدت الولاياتالمتحدة الأمريكية القواعد العسكرية في الخارج منذ الحرب العالمية الثانية (1938-1945)، إذ عقب انخراطها في الحرب، أنشأت الولاياتالمتحدة مئات القواعد العسكرية واستخدمتها لدعم عملياتها القتالية، وقد تركز وجود معظمها في جبهات الحرب الأساسية، لا سيما أوروبا والمحيط الهادي، إضافة إلى مواقع أخرى خارج نطاق العمليات.
وبعد انتهاء الحرب أبقت الولاياتالمتحدة بعض القواعد، كما أنشأت قواعد جديدة على أراضي دول المحور، لدعم متطلبات الإدارة العسكرية وإعادة الإعمار. وحفّز اندلاع الحرب الباردة في أواخر أربعينيات القرن العشرين الولاياتالمتحدة لتوسيع شبكة قواعدها الخارجية، خاصة في أوروبا الغربية وشرق آسيا.
ومع انتهاء الحرب الباردة عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، خفضت الولاياتالمتحدة وجودها العسكري الخارجي، فأغلقت في تسعينيات القرن العشرين وبداية العقد الأول من القرن 21 عشرات القواعد العسكرية، وقلصت انتشار قواتها في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادي.
وفي تلك الفترة حوّلت الولاياتالمتحدة إستراتيجيتها العسكرية نحو الشرق الأوسط، مع اندلاع حرب الخليج الثانية في بداية تسعينيات القرن العشرين، ثم هجمات 11 شتنبر 2001، فسارعت إلى إنشاء قواعد عسكرية جديدة في عدد من دول المنطقة لتعزيز حضورها وتأمين مصالحها الإستراتيجية.
وفي منتصف العقد الثاني من القرن 21، عادت الولاياتالمتحدة لتعزيز وجودها العسكري في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادي مجددا، مدفوعة بالتنافس مع القوى الإقليمية الكبرى.
ففي أوروبا، دفع القتال بين روسيا وأوكرانيا عام 2014، ثم الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، واشنطن إلى إعادة تفعيل قواعد سابقة في دول مثل أيسلندا، إضافة إلى نشر قوات أميركية في مواقع جديدة، لا سيما في أوروبا الشرقية.
كما دفعتها المنافسة الإستراتيجية مع الصين إلى تعزيز نشر قواتها في منطقة المحيطين الهندي والهادي.
وبحلول العقد الثالث من القرن 21، شكلت المنطقتان محور التمركز الأساسي للقوات الخارجية الأميركية، بحيث تستضيف 3 دول فيهما: اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية أكثر من 70% من القوات الأميركية في الخارج.
وتنتشر القواعد العسكرية الأميركية في أنحاء العالم في مناطق نفوذ إستراتيجية، يمكن تصنيفها إلى 5 مناطق رئيسية: منطقة المحيطين الهندي والهادي، وأوروبا، والشرق الأوسط، وإفريقيا، وأميركا اللاتينية والكاريبي.
فمنطقة المحيطين الهندي والهادي، تُعد المحور الأبرز للانتشار العسكري الأميركي الخارجي، إذ تستأثر بأكبر حجم من تمركز أفراد القوات الأميركية خارج الأراضي الوطنية، ومعظمهم يتمركزون في اليابانوكوريا الجنوبية.
وتحتل اليابان المركز الأول عالميا من حيث حجم التواجد العسكري الأميركي الخارجي، إذ تحتضن 15 قاعدة أميركية كبرى، وفق بيانات وزارة الخارجية اليابانية، يتمركز فيها اعتبارا من عام 2025 نحو 55 ألف جندي، حسب وزارة الخارجية الأميركية.
بينما تتبوأ كوريا الجنوبية المركز الثالث عالميا، والثاني على مستوى منطقة المحيطين الهندي والهادي، ويتنشر فيها 24 ألفا و234 جنديا في الخدمة الفعلية الدائمة، وفق المصادر الأميركية الرسمية لعام 2024.
وفي أستراليا، تحتفظ الولاياتالمتحدة بقوة تناوب بحرية في قاعدة داروين وثكنات روبرتسون التابعة لسلاح الجو الملكي الأسترالي، كما تملك حق نشر مقاتلات بشكل دوري في قاعدة تيندال ومواقع عسكرية أسترالية أخرى، إضافة إلى تقاسمها مع أستراليا تشغيل محطة الاتصالات البحرية هارولد إي. هولت ومنشأة الدفاع المشتركة في باين غاب.
وتُبقي أميركا على وجود دائم صغير لها في مركزها الإقليمي البحري في سنغافورة، لأغراض الدعم اللوجستي وعمليات النشر الدورية للطائرات والسفن القتالية، وتستضيف قاعدة بايا ليبار الجوية القوات والطائرات الأميركية بشكل دوري، كما يُسمح للقوات الأميركية بالوصول إلى قاعدة شانغي البحرية وحوض بناء السفن سيمباوانغ.
وتتمتع القوات الأميركية بحق الوصول بشكل دوري إلى 9 مواقع دفاعية محلية في الفلبين، لتنفيذ أنشطة عسكرية وإنسانية، إلى جانب 6 مطارات ومواني بحرية في بابوا غينياالجديدة.
أما أوروبا، فتعتبر منطقة النفوذ الثانية عالميا للقوات الأميركية الخارجية، إذ يتمركز فيها ما يقارب 84 ألف جندي أميركي، ينتشرون في حوالي 31 قاعدة ثابتة و19 موقعا عسكريا آخر، وفق ما أفاد به تقرير لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي في مطلع عام 2025.
ويتمركز معظم العسكريين المعينين بشكل دائم في أوروبا في قواعد ثابتة في ألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة.
وتحظى ألمانيا بالمركز الثاني عالميا والأول على مستوى القارة الأوروبية من حيث حجم الوجود العسكري الأميركي الخارجي، إذ تستضيف أكثر من 35 ألف عسكري أميركي ضمن الخدمة الفعلية الدائمة، حسب المصادر الرسمية الأميركية لعام 2024.
وتضم إيطاليا ثاني أكبر وجود عسكري أميركي دائم في أوروبا، إذ يتمركز فيها حوالي 12 ألفا و375 جنديا في الخدمة الفعلية الدائمة، موزعين على 5 قواعد عسكرية رئيسية.
ويخدم في المملكة المتحدة 100 ألف و58 جنديا أميركيا في الخدمة الفعلية الدائمة، بينما يتمركز في إسبانيا حوالي 3292 جنديا أميركيا، وتسمح كل من بريطانيا وإسبانيا بوصول القوات الأميركية إلى قواعد ومواقع عسكرية مهمة في البلاد.
وتقوم القوات الأميركية بعمليات نشر دورية محدودة، في دول مثل: بلجيكا وبلغاريا وإستونيا وفلندا والمجر وأيسلندا وكوسوفو ولاتفيا وليتوانيا والنرويج، وغالبا ما تستخدم المرافق العسكرية المحلية لتلك الأنشطة.
وتشهد دول أخرى حضورا عسكريا أميركيا أوسع مثل بولندا التي تملك فيها الولاياتالمتحدة مطلع عام 2025 قوة تناوبية قوامها حوالي 10 آلاف جندي، كما تدير القوات الأميركية منشأة الدعم البحري ريدزيكوفو، وتحتفظ بلواء مدرع وأنظمة دفاع صاروخي وطائرات مقاتلة وطائرات استطلاع وطائرات مسيرة، حسب وزارة الخارجية الأميركية.
وتُشغّل القوات الجوية الأميركية مرافق طيران في قاعدة إنجرليك الجوية التركية، وهي قاعدة إستراتيجية لدعم العمليات العسكرية الأميركية، لا سيما في الشرق الأوسط، ويتمركز في تركيا 1690 جنديا في الخدمة الفعلية الدائمة اعتبارا من عام 2024.
وقد زُودت القوات الأميركية في أوروبا بعتاد للوحدات البرية وطائرات حربية، بما في ذلك طائرات ذات أجنحة دوارة ومقاتلات وطائرات هجوم إلكتروني وقاذفات قنابل وطائرات نقل جوي وناقلات وقود، إضافة إلى سفن حربية ومدمرات وسفينة قيادة برمائية متمركزة في إسبانيا وإيطاليا.
وبخصوص الشرق الأوسط، يلاحظ وجود عسكري كبير للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، مع قوات في أكثر من 12 دولة، فضلا عن التمركز على متن السفن في المياه الإقليمية. وللقوات الأميركية 8 قواعد ثابتة إضافة إلى 11 موقعا عسكريا آخر يمكنها الوصول إليه.
وقد نشرت الولاياتالمتحدة وحدات إضافية بعد العدوان الإسرائيلي على غزة الذي بدأ في أكتوبر 2023، ودعمت تصعيد العدوان الإسرائيلي على الجبهات المختلفة، كما شاركت بنفسها في ضرب إيران وجماعة الحوثيين في اليمن.
واعتبارا من صيف عام 2025، بلغ الوجود العسكري الأميركي الإجمالي في الشرق الأوسط بين 40 ألفا و50 ألف عسكري.
وتحتفظ العديد من دول المنطقة بوجود عسكري أمريكي، بعضه محدود جدا كما هو الحال في مصر، بينما تستضيف دول أخرى قوات كبيرة وقواعد أميركية على أراضيها.
ففي العراق، توجد قواعد أميركية عدة، أهمها قاعدة عين الأسد الجوية وقاعدة أربيل الجوية، ويحتضن الأردن مواقع عسكرية أميركية، أبرزها قاعدة موفق السلطي الجوية التي تستضيف مقر الجناح الجوي 332، وطائرات إف- 35، كما تضم سلطنة عمان مواقع عسكرية أميركية، من بينها قاعدة الدقم.
ويشمل الوجود العسكري الأميركي في سوريا قاعدة التنف ومنشآت مختلفة في شمال شرق سوريا وغيرها، وتنفذ القوات الأميركية في البلاد مهام متعلقة بما تسميه "مكافحة الإرهاب" إلى جانب تقديم المشورة والمساعدة لقوات سوريا الديمقراطية.
بينما لا تعترف إسرائيل أو الولاياتالمتحدة بوجود قواعد عسكرية أميركية في إسرائيل، ولكن واشنطن تعلن احتفاظها بمخزن طوارئ في إسرائيل يشمل أسلحة ومعدات عسكرية.
وفي المقابل، تستضيف إفريقيا قوة محدودة من العسكريين الأميركيين المعينين في الخدمة الفعلية الدائمة، بلغ عددهم اعتبارا من مارس 2024 حوالي 1150 جنديا، يتمركز معظمهم في قواعد ثابتة في جيبوتي.
وتُصنف غالبية العسكريين الأميركيين الموجودين في إفريقيا قواتا مؤقتة، تعمل في مهام طارئة أو دورية.
وبحسب خدمة أبحاث الكونغرس، تستخدم القوات الأميركية في القارة قاعدتين عسكريتين دائمتين و7 مواقع عسكرية أخرى يُمكن للقوات الأميركية الوصول إليها، تتوزع على جيبوتي وكينيا والصومال والغابون وتشاد وجزيرة أسينشين.
وبالنسبة لأميركا اللاتينية والكاريبي، فليس هناك وجود عسكري دائم واسع النطاق في هذه المنطقة، إذ وفق خدمة أبحاث الكونغرس، يبلغ عدد الأفراد في الخدمة الفعلية الدائمة حوالي 1650 جنديا منذ عام 2024، معظمهم في كوبا التي تستضيف 616 جنديا، ثم هندوراس التي تضم 365 جنديا.
وكذلك لا تحتضن المنطقة الكثير من القواعد العسكرية الأميركية الخارجية، وقد حددت خدمة أبحاث الكونغرس 3 قواعد ثابتة و3 مواقع عسكرية أخرى يُسمح للقوات الأميركية بالوصول إليها. وتستضيف كوبا وهنداروس وجزر البهاماس القواعد الثابتة، وهي على التوالي: قاعدة غوانتانامو وقاعدة سوتو كانو ومركز اختبار وتقييم أعماق البحار الأطلسي.