تساءلت مجلة "إيكونوميست"، عن أسباب عدم مشاركة دول الخليج العربي في الهجمات ضد إيران، خاصة أنها كانت الأكثر عرضة لها منذ قرار الرئيس دونالد ترامب شن حملة عسكرية بأهداف غير واضحة. وقالت المجلة، إن الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، غالبا ما تواجه صعوبات في مجال التعاون، فخطط العملة الموحدة وخط السكة الحديدية الذي يربط شبه الجزيرة العربية متأخرة عقودا عن الجدول الزمني المحدد، مشيرة إلى أن الخلافات في السياسة الخارجية أدت إلى قطيعة دامت سنوات بين حكام المجموعة.
وأكدت أنه خلال الأيام العشرة الماضية، فرضت الحرب "إجماعا مؤلما"، فمنذ الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير، أطلقت إيران أكثر من ألفي صاروخ وطائرة مسيرة على دول الخليج، مضيفة أن "الألم" لم يكن موزعا بالتساوي، إذ استهدف أكثر من نصف الهجمات الإيرانية حتى الآن دولة الإمارات العربية المتحدة، مقارنة بعدد قليل فقط على سلطنة عمان، مع أن الجميع أحس بها.
ومع ذلك، توضح المجلة، لا يوجد اتفاق على كيفية الرد، مبينة أن هذا لا يعود فقط إلى الخلافات القديمة بين الدول، بل أيضا داخلها، حيث إن بعض المسؤولين يحثون على ضبط النفس، بينما يطالب آخرون بالرد. كما أن دول الخليج في حالة شلل، فلم تعد تثق بأي من أطراف هذه الحرب، على حد تعبير "إيكونوميست".
وتابعت أنه في الأشهر التي سبقت قرار ترامب و"إسرائيل" شن الحرب على إيران، حثته كل دول مجلس التعاون الخليجي على عدم القيام بذلك. وعندما بدت الحرب حتمية، أضاف البعض شرطا: إذا قررت القيام بها، فافعلها على النحو الأمثل. وكانوا يخشون أن تجرهم أمريكا إلى صراع لا يترك سوى الجمهورية الإسلامية مجروحة لكنها سليمة.
وزادت أن دول مجلس التعاون الخليجي لم تشعر بالاطمئنان من أي شيء قاله ترامب خلال الأيام العشرة الماضية، معتبرة أن حكام الخليج يعرفون أنه قد يكون غير جدير بالثقة، إذ قبل أقل من عام، وقف في الرياض وندد ب"المتدخلين" الذين "دمروا" الشرق الأوسط. ويتذكرون أيضا تقاعسه بعد الهجوم الإيراني على منشآت النفط السعودية عام 2019، كما يمكنهم متابعة نتائج استطلاعات الرأي في أمريكا، التي تظهر معارضة الأغلبية للحرب، وتراجع شعبية الرئيس إلى 38% وهي نسبة لم تتغير منذ وقت طويل.
وعليه، توضح "إيكونوميست"، يبدو الانضمام إلى الحرب مخاطرة غير مقبولة بالنسبة للداعين إلى ضبط النفس. فقد تعرض دول الخليج نفسها للخطر، لتشهد انسحاب أمريكا من الحرب بعد وقت قصير.
وفي الوقت نفسه، تؤكد المجلة، تلاشت الثقة بإيران، التي لم تكن عالية أصلا، مشيرة إلى سعي كل من السعودية والإمارات لسنوات قبل الحرب إلى تحسين علاقاتهما المتوترة مع الجمهورية الإسلامية، بينما حافظت قطر على علاقات ودية معها لفترة طويلة. ومع ذلك، تعرضت جميعها للهجوم.
ورأت "إيكونوميست"، أنه بالنسبة للأصوات الأكثر تشددا في الخليج، يبدو ضبط النفس ساذجا ولم يوفر لهم حتى الآن الحماية. ومع استمرار الحرب، من المرجح أن تواصل إيران تصعيد هجماتها. في وقت أثبتت فيه الرسائل التصالحية التي أرسلها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ومسؤولون آخرون أنها غير مهمة.
وأضافت أن هناك أيضا قلق بشأن ما سيحدث بعد انتهاء الحرب، وبافتراض بقاء إيران موحدة، فمن المرجح أن تبقى خاضعة لعقوبات أمريكية قاسية، وقد يواجه النظام خسائر بمليارات الدولارات. وربما يسعى إلى ابتزاز دول مجلس التعاون الخليجي عبر شن هجمات متقطعة بطائرات مسيرة أو مواصلة مضايقة السفن في الخليج العربي. ويرى المؤيدون للتحرك الآن أنه من الأفضل محاولة ردع إيران بإظهار قدرة دول الخليج على الرد، في وقت لا تزال فيه أمريكا تنشر دفاعاتها بالمنطقة.
وهناك بعد آخر يضيف تعقيدا للوضع، حسب "إيكونوميست"، وهو دور إسرائيل. ففي 8 مارس الجاري، أفاد عدد من الصحافيين الإسرائيليين بالإجماع أن الإمارات انضمت إلى الحرب بمهاجمة محطة لتحلية المياه في إيران. ونسبت رواياتهم غير المؤكدة إلى "مصدر إسرائيلي" مجهول. وسارعت الإمارات إلى نفي ذلك، وقال علي النعيمي، وهو مسؤول دفاعي: "هذه أخبار كاذبة".
وأوضحت "إيكونوميست"، أنه لم تكن هذه المرة الأولى التي يطلق فيها صحافيون إسرائيليون مثل هذا الادعاء بشأن دولة خليجية، لافتة إلى أنه قبل خمسة أيام، أفادوا بأن قطر شنت غارات على إيران، وهو ما تم نفيه أيضا.
ويرى مسؤول من دولة خليجية ثالثة، وفق "إيكونوميست"، أن إسرائيل تحاول فرض أمر واقع بتسريب تقارير عن عمل عسكري مزعوم لدول مجلس التعاون الخليجي، ويعلق: "إنها لعبة قذرة". وقد بات هذا الرأي شائعا في المنطقة، حتى أنه يثير قلق بعض دعاة التدخل.
أما القضية الأخيرة، حسب المجلة، فهي محلية، فرغم أن دول الخليج ممالك، إلا أنها لا تستطيع تجاهل الرأي العام. وتعتبر البحرين مصدر قلق خاص، إذ لطالما اشتكت الطائفة الشيعية فيها من التمييز الذي يمارسه حكامها السنة، ولذا فإذا انضمت البحرين أو غيرها من دول الخليج إلى الحرب، فقد يؤدي ذلك إلى اندلاع اضطرابات جديدة، تقول "إيكونوميست".
وخلصت المجلة، إلى أن دعاة ضبط النفس هم المنتصرون على ما يبدو في هذا النقاش. وقد يقلب هجوم إيراني كبير الموازين، بينما قد تنهي هدنة سريعة الجدل. ولكن، كلما طالت الحرب، ازدادت حدة الخلاف، تؤكد "إيكونوميست".