توقيف ثلاثة أشخاص بينهم قاصر بعد سرقة هاتف وتبادل العنف بالسلاح الأبيض    إحالة مشتبه فيه على النيابة العامة بعد سرقة سيدة بالعنف    الإمارات تدين المخطط الإرهابي بالكويت    توتر ميداني بقلعة السراغنة.. مواجهات عنيفة بين السلطات وساكنة "أولاد الرامي" بسبب مقلع أحجار    توقيف شخصين بمكناس وحجز 2000 قرص إكستازي في عملية أمنية محكمة    أغلبية البكوري تصمد أمام "انشقاق مفتعل" وحزب الاستقلال يصون قراره الحزبي ضد التدخلات الخارجية    وهبي يستدعي لاعب أجاكس ريان بونيدا للحاق بالمنتخب في مدريد بعد تغيير جنسيته الرياضية    معاملات "العمران" ترتفع ب44 بالمائة    رسميا.. السنغال تتقدم باستئناف لدى "الطاس" ضد قرار "الكاف"    الأميرة للا حسناء تلتقي ميلانيا ترامب    اعتقال مغني الراب "ميتر جيمس" بفرنسا    إيران ترفض المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب وترامب يتوعدها ب"فتح أبواب الجحيم"    تفكيك خلية إرهابية موالية لتنظيم «داعش» الإرهابي تنشط بين المغرب وإسبانيا    أخنوش: مسار إصلاح التعليم لا يزال طويلاً والأساتذة شركاء لا منفذون فقط    مواجهات حاسمة ترسم ملامح آخر المتأهلين الأوروبيين إلى مونديال 2026    وهبي يضع اللمسات الأخيرة على أول تشكيلة رسمية له .. المنتخب الوطني ينهي اليوم تحضيراته لمواجهة الغد أمام الإكوادور    فؤاد مسكوت رئيسا للاتحاد العربي للمصارعة لولاية 2026 – 2029    منتخب الفتيان يستهل بطولة شمال إفريقيا بانتصار على تونس    نشرة إنذارية.. زخات رعدية محليا قوية مع تساقط البرد يومي الأربعاء والخميس    حراك بالاشتراكي الموحد من أجل الديمقراطية التنظيمية وتجديد المشروع اليساري    توزيع الدفعة الأولى من البطاقة المهنية للفنان    تجمع فنانين من بلجيكا وكيبيك وفرنسا والمغرب وسويسرا والكونغو .. ليالي الفكاهة الفرنكوفونية تعود إلى المغرب في دورتها 2026    ابتزاز سائح أجنبي بمراكش يجرّ صاحبه للاعتقال عقب تدخل أمني    مطالب برلمانية بضبط أسعار الأضاحي والحد من المضاربات قبل عيد الأضحى    "كلام عابر": تحول النص والمعنى والوجود في الهيرمينوطيقا والتأويل عند بول ريكور    سارة مولابلاد تطلق ألبومها القصير الجديد في الدار البيضاء                رئيس وزراء إسبانيا: إسرائيل ترغب في تدمير لبنان مثلما فعلت بغزة    رئيس ألمانيا: الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران تنتهك القانون الدولي.. والثقة في السياسة الأميركية تتآكل عالمياً    أخنوش: كرامة المدرسين مدخل أساسي لإصلاح منظومة التربية والتكوين    ماركا: المنتخب المغربي أصبح "المنتخب الثاني" المفضل عالمياً لدى الجماهير    النفط يهبط بقوة مع توقعات تهدئة في الشرق الأوسط        3 ملايين يورو مقابل التنازل.. دفاع سعد لمجرد يفجر مفاجأة "الابتزاز" أمام محكمة باريس    باحثون صينيون يطورون الكتروليت جديد يضاعف أداء بطاريات الليثيوم    هل ‬تؤثر ‬حرب ‬الخليج ‬على ‬زخم ‬مسار ‬التسوية ‬لملف ‬الصحراء ‬المغربية ‬؟    بعد ‬أن ‬أطفأ ‬وزير ‬الصحة ‬نيران ‬غضب ‬الصيادلة.. ‬مجلس ‬المنافسة ‬يشعلها ‬من ‬جديد    صندوق ‬النقد ‬الدولي ‬يؤكد ‬أن ‬الاقتصاد ‬المغربي ‬يواصل ‬إظهار ‬‮«‬مرونة ‬كبيرة‮»‬    إعادة ‬تكوين ‬القطيع ‬الوطني..‬    التقدم والاشتراكية ينتقد "سلبية" الحكومة في مواجهة غلاء الأسعار    "غوغل" تعلن سد ثغرات أمنية خطيرة في "كروم"    المغرب وإسبانيا يفككان خلية إرهابية موالية ل "داعش" في عملية أمنية مشتركة    طائرات مسيرة تستهدف خزان وقود بمطار الكويت الدولي ما تسبب في اندلاع حريق    تمديد مدة الملتقى الدولي للفلاحة إلى 9 أيام بمشاركة 70 دولة و1500 عارض    المغادرون بصخب.. التدليس السياسي بنيةً لا حادثة في المشهد السياسي المغربي    في المناخ الحربي الذي يسود المنطقة ويرفع من نسبة التهديدات .. تقرير دولي يرتب المغرب بلدا دون آثار الإرهاب    بمناسبة اليوم العالمي.. وزارة الصحة تكشف نسب حالات السل الجديدة بالمغرب    كعك العيد: طقس تاريخي بتكلفة متصاعدة وتحذيرات صحية    بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة السل.. وزارة الصحة: 53 في المائة من حالات السل الجديدة المسجلة بالمغرب خلال سنة 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    وزارة الصحة: أكثر من نصف حالات السل الجديدة في المغرب عام 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صديق العمر
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 06 - 05 - 2010

بلغني النبأ وأنا في الجامعة، فأسرعت إلى المنزل لأقدم هذا العزاء لصديق العمر ورفيق الدرب. لقد توفى د. محمد عابد الجابري صاحب كتاب «نقد العقل العربي» و«التراث والتجديد» أضخم مشروعين في الفكر العربي المعاصر. يماثلهما «التراث والثورة» للطيب تيزيني و«نقد العقل الإسلامي» لمحمد أركون.
لا يوجد مفكر عربي إلا وتأثر بالجابري إيجاباً أو سلباً. ولا يستطيع واحد منهم أن يملأ فراغه بعد رحيله. وهو الفرق بين الكوكب والنجوم. أصبح يمثل الفكر العربي المعاصر. يشار إليه داخل الوطن العربي وخارجه، في العالم الإسلامي وفي العالم الغربي.
عُرف الجابري بمشروعه النقدي الثلاثي «نقد العقل العربي» وللمرة الأولى يُستعمل لفظ «نقد» كما استعمله «كانط» في القرن الثامن عشر بعد قرنين من النهضة، السادس عشر ونزعته الإنسانية، والسابع عشر ونزعته العقلانية. وأول مرة يُستعمل لفظ «العقل» كما استعمله الأنثروبولوجيون الفرنسيون مثل ليفي بريل. ووصفه بالعربي ومضمونه إسلامي.
تجمع ثلاثيته بين كانط وهيجل معاً، العقل النقدي، والعقل التاريخي. فالعقل النقدي هو تراث الأمة وإنتاجها الفكري، أي تاريخ وعيها كما فعل هيجل في «ظاهريات الروح». التكوين يسبق البنية، والبنية نتاج التكوين. والعقول الثلاثة، البيان والعرفان والبرهان، هي عصور تاريخية، القرنان الأول والثاني، ثم القرنان الثالث والرابع ثم القرنان الخامس والسادس. وهي شبيهة بالأقاويل الثلاثة عند ابن رشد، الخطابة والجدل والبرهان. وابن رشد هو العزيز على المغرب، يتوحد المغاربة به. و«العقل السياسي» تطبيق للثلاثية. وما صدر بعد ذلك مثل «علم القرآن» هوامش على المشروع. ولا تدخل في صلبه. ولم يستمع لنصيحة أصدقائه بكتابة «العقل العلمي». ترجمت أجزاء من الثلاثية إلى الفرنسية وأصبح يُشار إليه كلما أشير إلى الفكر العربي المعاصر.
في أوائل التسعينيات صدر «حوار المشرق والمغرب» على صفحات مجلة «اليوم السابع»، التي كانت تصدر من باريس، وكان يُقرأ في شتى أرجاء الوطن العربي. للمرة الأولى يتحاور العرب مشرقه ومغربه. واستأنف التقليد في «دار فكر» بدمشق على نحو آخر. تُرجم إلى اللغات الأجنبية. وأجريت عليه عدة رسائل كنموذج لحوار العرب وليس لخصامهم، الأبرز على الساحة. وبالرغم من الحكم عليه بأنه من أنصار القطيعة المعرفية تحت أثر «فوكو»، إلا أنه تعلم في دمشق، وعشق القاهرة. ولم يفرط في طلابه في المغرب لصالح إعارة هنا أو هناك. وهو صاحب مقولة «لقد تمشرق المغرب وتمغرب المشرق» لبيان أواشج القربى بين جناحي الوطن العربي أو بين وسطه ومغربه.
وهو بالإضافة إلى ذلك كله شخصه. إذ يتصف الجابري بالتواضع الجم، وهو الذي بلغت شهرته الآفاق على عكس غيره من الذين أقل منه شهرة وأصابهم الغرور. كما يتصف بالصمت وقلة الكلام، وهو الذي كتب الكثير على عكس غيره الذين يكثرون من الثرثرة، ويكتبون القليل. ويتسم بالحياء الشديد والخجل الاجتماعي. يميل إلى العزلة بعيداً عن الصخب الإعلامي والنصر الشفاهي. وهو ودود للغاية تخجل من صداقته، التي لا تستطيع أن تقابلها بصداقة مماثلة. تحسب أنه أقرب إليك من نفسك حتى وإن لم يظهر هذا الود في مظاهره المعروفة بين الأصدقاء. وهو يمثل الاتزان والاعتدال بعيداً عن التطرف والتعصب، وأخذ المواقف المتشددة مع طرف ضد طرف آخر. تحسبه ماءً صافياً أو سماء زرقاء أو خضرة يانعة. تخجل من النقاش معه الذي يصل إلى حد الجدال. يكفي مجرد التساؤل دون إجابة وإبقاء الإشكال حياً في الأذهان.
أثره في التعليم في المغرب كبير. فقد كان مشرفاً على المواد الفلسفية في التعليم الثانوي. ولا يوجد أستاذ فلسفة في الثانوية العامة لم يتأثر فيه ليس فقط في ثلاثيته بل في مؤلفاته عن مناهج البحث وفلسفة العلم. وأثره في الحياة السياسية أيضاً كبير، فقد كان مفكر «الاتحاد الوطني للقوى الشعبية». ولم يشأ أن يتقلد الوزارة عندما كان «الاتحاد» في الحكم، بل ظل بعيداً. رسالته في الفكر والنظر وليست في السياسة والممارسة. وأثره في الأجيال الجديدة كبير من خلال مجلته التي كان يصدرها ويشرف عليها «فكر ونقد»، وإنْ كانت أجيالًا أقل وضوحاً وأصعب أسلوباً.
جيل ينتهي، جيل هزيمة 1967، وآثارها مازالت باقية في الجولان وجنوب لبنان وفلسطين والقدس. مهمة الجيل الجديد النضال باسم «نقد العقل العربي» و«من العقيدة إلى الثورة» ضد الاستيطان وتهويد القدس والعجز العربي العام، وضعف الخيال السياسي، والتحول من «نقد العقل» إلى «نقد الخيال»، لعل العرب يستطيعون العودة إلى شعرهم الذي بقي لهم ومازال حالًا في الصدور، يوقظ فيهم خيالهم المفقود.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.