ضمن منشورات «سندباد» الباريسية، صدرت خلال شهر ماي 2014 الترجمة الفرنسية لرواية يوسف فاضل «»قط أبيض جميل يسير معي» التي أنجزها فيليب فيغرو. الناقد هيرفي سانسون نشر القراءة التالية في الرواية ضمن عدد شهر مارس الماضي من مجلة «أوربا». يوسف فاضل مؤلف مسرحي في الأصل (الگيرة، أولاد لبلاد، أعبر غابة سوداء...)، وبنية عمله الروائي الأخير " قط أبيض جميل يسير معي" ليست اعتباطية، إذ يجد القارئ نفسه، في رحمها، في حضرة تسامي الصوت، صوتين اثنين بصيغة المتكلم في سياق علاقة مواجهة. ثمة صوت الأب، مهرج السلطان، الخادم لنظام يعلم علم اليقين فساده وخسته، لكن هذا لا يمنعه من الانتفاع من النظام مستغلا الوضع الاعتباري الذي يتمتع به في إطاره. وثمة صوت الابن ذي النزوع الفني، ذلك أنه فكاهي يوجه سهام نقده الساخر إلى النظام ليندد بثغراته وانحرافاته وتجاوزاته. ينقسم السرد على امتداد أحد عشر يوما، متفرعا إلى أربعة وعشرين فصلا. والعدد 11 يرمز عموما إلى الإفراط والمغالاة، العنف والتجاوز، وخاصة في المرجعية الإسلامية. لقد كان سان أوغستان يقول إن 11 هو عدد الخطيئة. أما بالنسبة للعنف، وعلى وجه الخصوص العنف المتولد عن الحرب، ففاضل يصوغ عبارات ثرية بالمعاني إزاءه: " ما هو الموت؟ بضاعة يحملها الإنسان في دمه. في الحرب وفي السلم يتعلم الإنسان كيف يبقى على قيد الحياة. وهل تستطيع أن تبقى على قيد الحياة دون أن تقتل بطريقة من الطرق؟ كل الطرق تؤدي إلى القتل. كل الخطط وضعت بطريقة شيطانية لترويج بضاعة الموت. ربما اخترع الإنسان الحرب لألا يموت وحيد". وكمقابل للعدد 11 في الرواية ، نجد العدد 24 الذي هو، حسب المنظور السحري للأعداد، رمز الكلية والاكتمال الداخلي. لكن السؤال الذي يستحق الطرح هو: ما الذي يسمح للراوي حسن بإيجاد شعاع ضوء، فرصة للأمل في رحم تتالي الخيبات والدوامة المفجعة يكتوي بلهيبها دون القدرة على تغيير مجراها؟ حين يتمكن حسن أخيرا من الإفلات من ميدان الحرب التي لا يستوعب لا مداخلها ولا مخارجها، فذلك لا يقوده إلا إلى تبخر آماله في النجاح كفكاهي بسبب تراجعات مدير قناة تلفزيونية، وإلى رؤية الجنازة المقامة لشخصه بالذات بصفته شهيدا قضى في ساحة الشرف، وفي الختام إلى استيعاب كون تلاعب وسيطرة جيرانه، الطبيب والطبية، على بيت زوجيته أمر يتجاوز بكثير ما يمكن تخيله، ذلك أن الطبيب كان قد عقد قرانه على زوجته بدون علمه وأقنعها بالانخراط في العمل السياسي! وكيفما كان الحال، فهذا التفسخ والانهيار لعالم حسن لن يؤديا إلى انمحاء ذكرياته السعيدة، مثلما لن يجردانه من السعادة التي رافقته إبان بداية علاقته مع زينب. لقدشيء استهلك كل شيء وكل شيء على ما يرام كما يؤكد ذلك الراوي في نهاية سرده: "وأنا أسير تذكرت النجمة التي ماتت منذ مئات السنين وما زال ضوؤها يشع. أنا مثلها قد مت. وما أراه لا يبعد أن يكون ذمرى حنين بعيد لشيء انتهى وما يزال صداه يتردد بانتظار أن يتلاشى نهائيا. اشتريت زجاجة خمر بما تبقى عندي من نقود وقصدت بيت عيسى. سأسكر ولن يأتيني نوم. لن أندم على شيء. وبالأخص على الذهاب غدا إلى المقبرة والركوع أمام قبري". انطلاقا من هنا، يكتسب ظهور القط الأبيض الجميل الذي يسير مع حسن معناه، ذلك أنه يجسد استرجاعا لإحدى أسعد لحظات طفولته الموسومة بحنان كامل وغير مبال: "... يطل علي، كأنما يناديني، وكأنما يبتسم لي". تشكل هذه الكلمات آخر إشارة لمواساة الإنسانية وكرامة شخصية الرواية، الإنسانية والكرامة المعرضتان للتمريغ طوال الحكي. يتقن المؤلف، بكل تأكيد، صياغة الصور، وهو ما يؤكده، على سبيل المثال، هذا المشهد الجذاب المستل من الفصل الخامس عشر (اليوم السادس) حيث يبحث الشاب المبتور الساق حديثا، عن عضوه المقطوع المدفون وسط الركام قرب الثكنة، وذلك بهدف نيل راحة البال. لم يسبق لأي تعبير عن التنديد بالحرب وبعدها الاعتباطي في خدمة الأقوياء، أن كان أكثر جلاء من هذا المشهد، كما لم يسبق لعدم إنسانية حرب ما أن جسدت باستعارة أبلغ منه. الأمر نفسه ينطبق على الفصل السابع (اليوم الثالث) حيث يهيمن انتظار العدو غير المرئي، في قلب الصحراء، ورغم تعذر رؤيته فتهديد العدو ضاغط ويبلغ ذروته إيحاء وواقعية. هي حرب لا تحمل اسما وتتعذر تسميتها، حرب لن نعرف أنها قائمة ضد صحراويين إلا في الفصل السابع عشر (اليوم السابع). أما الفصل السادس عشر الراوي لقسط من اليوم السادس، فيعرض ظروف توظيف بلوط كمهرج للسلطان: هذا الأخير كان في زيارة لثكنة عسكرية بينما بلوط معتقل بها في انتظار تنفيذ الحكم بالإعدام ضده بسبب تسميمه لثلاثة جنود كان من المفروض أن يزودهم بمقويات! يوضح الفصل هذا، هو الآخر أيضا، عشوائية وعبثية مصائر البشر في مملكة للسلطان ضمنها حق منح الحياة وسلبها من رعاياه، ذلك أن العاهل سيعجب بحكايات وسخرية بلوط، ما سيجعله ينقذه من الإعدام. إن مساري الأب والابن، المتقاطعين ضمن تباين لافت، يمنحان للقارئ نظرة صارمة وغير مهادنة حول آليات السيطرة التي تحكم المجتمع المغربي، والقدريات التي تسوده، وكذلك قسط التسلط المتحكم في المسارات البشرية حارما إياها من أي معنى رغم ضرورة هذا الأخير في جميع الأحوال. وفي هذا الإطار، فإن النهاية المأساوية لبلوط تكشف عن انسداد الأفق الذي هو ميزة العبودية الإرادية، عبودية شخص واحد هو السلطان الذي يحرم البهلوان من كل أسباب الحياة حين يجد بلوط نفسه خارج دائرة حواريي العاهل المفضلين. يهوي البهلوان السابق إذن إلى براثن هذيان المصابين بجنون الاضطهاد حين يواجه قساوة الواقع. إن تيه البهلوان وتصلفه، وكذا عجزه عن الاستفادة من الفرصة الممنوحة له لاستعادة شرفه بمناسبة عودته للاستقرار مع أسرته التي هجرها منذ سنوات خلت، (إن كل هذه الوقائع) تندرج تحت يافطة الاستهلال الذي اختاره الكاتب لروايته، والذي هو الآية 16 من السورة القرآنية 36 (سورة صاد): "وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب". وهي سورة تشجب بالضبط الإصرار في الاستمرار في النهج السيئ رغم التحذيرات والتنبيهات الموجهة للمخطئ. ما يميز الأب عن الابن هو الحب. كل شيء يظل ممكنا أمام حسن لأنه كان قادرا على الحب الذي هو وهب النفس، الاهتمام بالآخر، وهذا بالذات ما يفتقده الأب بلوط بشكل مطلق. هكذا، تستعيد ذاكرة حسن القبلة الأولى المتبادلة بينه وبين وزينب بكل تفاصيلها، قبلة تجسد وعدا هشا بالفجر، انبعاثا مستقبليا مفترضا على غرار "ضوء شمعة" تشع بعيدا رغم عتمة أزقة مراكش، أو على شاكلة تلك "النجمة الميتة" التي "ما زال ضوؤها يشع". هيرفي سانسون