وزارة الصحة اللبنانية: 31 قتيلا و149 جريحا جراء غارات إسرائيلية على الضاحية والجنوب    مئات الطائرات تقصف أهدافا في إيران ولبنان بالتزامن    الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تدين الحرب على إيران وتحذر من اتساع رقعة المواجهة بالمنطقة    نيران داخل السفارة الأمريكية بالكويت    استهداف مصفاة رأس تنورة السعودية    أجواء باردة مع زخات مطرية في توقعات اليوم الإثنين بالمغرب    شارع جبران خليل جبران بالجديدة غضب و استياء من تعثر وتأخر أشغال التهيئة    مديرية التعليم بالجديدة تكشف عن جميع مشاريع المؤسسات التعليمية التي سترى النور بإقليم الجديدة ابتداء من السنة الدراسية المقبلة    حزب الله يعلن دخول الحرب وجيش الاحتلال ينفذ موجة غارات واغتيالات في لبنان    "قفاطين مغربية" تقود إلى المؤبد... القضاء الإماراتي يُدين سيدة مغربية وشقيقيها في قضية كوكايين    اغتيال خامنئي والتصعيد العسكري... الشرق الأوسط أمام منعطف خطير    الجيل الخامس والرقمنة في صلب شراكة مغربية فنلندية واعدة    طنجة.. تفكيك شبكة لترويج المخدرات بحي المصلى وحجز 24 كيلوغراماً من "الشيرا"    الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تعلن تضامنها المطلق مع عمر الهلالي    سعر برميل النفط يرتفع 13% متخطيا 80 دولارا إثر تفاقم الصراع في الشرق الأوسط    مقتل ثلاثة عسكريين أمريكيين وإصابة خمسة آخرين في الهجوم ضد إيران (القيادة المركزية الأمريكية)    قراءة في كتاب شبار    الشريعة للآخر والحرية للأنا    المغرب – فنلندا.. تأكيد لشراكةٍ دينامية ومتميزة    أمير عبدو يدرب منتخب بوركينا فاسو    حصيلة سنة 2025 تؤكد دينامية إحداث المقاولات وتطور الملكية الصناعية    جلالة ‬الملك ‬يؤكد ‬أن ‬أمن ‬واستقرار ‬دول ‬الخليج ‬العربي ‬يشكلان ‬جزءا ‬لا ‬يتجزأ ‬من ‬أمن ‬واستقرار ‬المملكة ‬المغربية ‬    عبد السلام بوطيب يكتب : في معنى الوئام في زمن الاستقطاب    غرق سفينة تجاري بنمية قرب السواحل المغربية    المركز السوسيوثقافي أبي القنادل يشجع المتعلمين على القراءة    وزارة الخارجية تُحدث خلية أزمة لمواكبة أوضاع الجالية المغربية بالشرق الأوسط    حزب الاستقلال ينظم الحلقة الأولى من منتدى الألوكة للتمكين السياسي للشباب    ارتفاع جديد في اسعار المحروقات في محطات الوقود بالمغرب (صورة)    أزمة النتائج تفتح باب الانتقادات تجاه إدارة اتحاد طنجة    أمل تيزنيت يعود بنقطة من بني ملال ويصعد إلى الصف الرابع    الكتابة الإقليمية بأنفا تنظم ندوة فكرية حول إشكالية التنظيم في الحركة الاتحادية        اعتُقل مادورو ومات خامنئي... فهل يأتي الدور على تبون وشنقريحة وغالي؟    "دركي الصرف" يترصد معاملات مشبوهة لرجال أعمال مغاربة بالبرتغال    الاتحاد القطري يؤجل جميع البطولات والمسابقات حتى إشعار آخر    أزيد من 550 جهاز قياس سكر توزَّع بمراكش في حملة تحسيسية استعداداً لرمضان    64,3 مليار درهم في سنة واحدة.. ماذا يحدث في سوق التأمين بالمغرب؟    تساقطات ثلجية من الثلاثاء إلى الخميس بعدد من مناطق المملكة    عاصفة قوية تلحق أضراراً واسعة بالقطاع الفلاحي في اشتوكة أيت باها    نشرة إنذارية: تساقطات ثلجية مهمة بعدد من الأقاليم    طقس الأحد .. أجواء غائمة وثلوج بالأطلس ورياح قوية بعدد من المناطق    التعادل الايجابي (1-1) يحسم المواجهة بين اتحاد طنجة وضيفه اتحاد تواركة    منير الحدادي محاصر في إيران إثر الضربات الأمريكية الإسرائيلية    شكوك تساور مشاركة إيران بالمونديال    تعليق رحلات جوية للخطوط الملكية المغربية بسبب إغلاق مجالات جوية في الشرق الأوسط    المعلم الظاهرة!    برنامج مسرح رياض السلطان لشهر مارس بنكهة رمضانية روحية    آيت باجا: المنتوج الفني ليس عملا فرديا.. و"الممثل مُدان حتى تثبت براءته"    عمرو خالد: سورة التوبة في القرآن تفتح للمؤمن أبواب العودة إلى الرحمان    إسبانيا تبلغ الصحة العالمية بالاشتباه في انتقال متحور لإنفلونزا الخنازير بين البشر        فيلما "نوفيل فاغ" و"لاتاشمان" يحصدان أهم جوائر سيزار السينمائية    بين الهوية والمصلحة: تحديات التعايش على أرض الواقع    نور لا يطفأ    المرتبة الأولى عالميا.. المغرب يسجل أفضل أداء في مؤشر يربط نمط العيش والبيئة بقوة المناعة    جهة درعة تافيلالت تكافح الليشمانيا    بيدري: "لامين يامال أوقف تشغيل الموسيقى في غرفة الملابس بسبب شهر رمضان"    منتجات "ديتوكس" .. آثار سلبية وتدابير صحية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل حقا سقط المهرّج من الذاكرة؟
قراءة في رواية يوسف فاضل «قط أبيض جميل يسير معي»
نشر في المساء يوم 23 - 02 - 2012

نشر الكاتب والناقد محمد برادة قراءة مميزة عن رواية يوسف فاضل «قط أبيض جميل يسير معي» تغوص في أعماق هذا العمل وتتبع بالأساس أثر ذلك المهرج الذي عاش في ذاكرتنا،
متسائلا هل حقا سقط المهرج من الذاكرة أم إنه ما يزال حيا بيننا؟ هنا نص القراءة لتعميم الفائدة، مع الإشارة إلى أن برادة كان قد اقترح على فاضل عنوان «المهرج»، لكن الأخير فضّل العنوان المقترَح من طرف بوزفور «قط أبيض جميل يسير معي»..
من خلال صوتيْن سارديْن، متوازييْن، يتناوبان على سرد مشاهد ووقائع من «رواية العائلة»، وهما صوت الابن حسن، المُجنَّد في حرب الصحراء، المفتون بالتمثيل وكتابة سكيتشات ساخرة، وصوت الأب بلوط، مهرج الملك، المصاحب له في لحظات الجد والابتذال، تنتسج خيوط رواية يوسف فاضل الأخيرة «قط أبيض جميل يسير معي» (دار الآداب،2011)، وهي رواية تنطلق من الخاص والذاتي لتُلامس قضايا عامة، منغرسة في صلب تكوين المجتمع المغربي الحديث، مُستظلة بطقوس «المخزن» العتيق.
وإذا كان الصوتان الساردان يتقاطعان من حين إلى آخر، بحُكم القرابة العائلية، فإن كل واحد منهما ينقلنا إلى كوْن ٍتخييلي مُغاير، إذ نُطلّ، من خلال محكيات الأب المهرج، على عالم السلطة العليا في البلاد وعلى ما يُلازمها من طقوس ضاربة بجذورها في نظام المخزن، الموروث والمُستحدث، وكاشفة النزوات المولوية التي تُشكّل جزءاً من الهيبة المصطنعة التي تضفي غلائل التقديس على وظيفة السلطان وحُرمته في أعين الرعيّة .
في المقابل، ينقلنا صوتُ الابن حسن إلى فضاء الصحراء، حيث يتوجّب عليه قضاءُ مدة التجنيد الإجباري، بعيداً من زوجته زينب، التي تحترف الغناء في أحد كباريهات مراكش، بينما يمضي، هو، الوقت والأيام رفقة المجندين: إبراهيم وَمحمد علي وَنافع و«البركادي» عمر، وجميعهم يأتمرون بأوامر الجنرال بورويشة، المنشغل بمعصرة الزيتون وفلاحة الضيعة وإرضاء نزوات ابنته جمانة، المدللة...
فضاءان مختلفان، إذن، يؤطران السرد، ورؤيتان متباينتان عند كل واحد من الساردَيْن .لكن هذا الإطار الخارجي المُشكّل ل«حاضر» الرواية تخترقه ارتدادات واستحضارات ترسم ملامح من مسار حياة الأب والابن، عبْر سردٍ استرجاعيٍّ ينطلق من الحاضر إلى الماضي.
صورة الأب
على هذا النحو، نتعرف إلى المنبت المتواضع للأب وارتقائه من منشّط حلقةٍ في ساحة جامع الفنا، إلى مهرج في البلاط الملكي، ونعلم أنه هجر زوجته الأولى وابنته فضيلة وابنه حسن، ليتزوج من عزيزة، الشابّة التي نجحت في «ترْييشه» وطرده من بيتها، فلا يجد مفراً من العودة إلى بيت الزوجة الأولى، حيث يلفظ أنفاسه الأخيرة، مشلولاً..
ويحكي لنا الابن عن تجربته مع الوحدة والشعور باليُتم منذ انقطع الأب عن زيارة العائلة، وعن تعلقه بفنّ التمثيل وكتابة السكيتشات الساخرة، «الملتزمة»، التي تنتقد الحكومة الرشيدة وتُسفّهُ منجزاتها، المزعومة... ويتوقف عند لقائه المنقذ مع زينب، ذات مساء، في أحد المسارح، حيث قدم هو مشهداً مسرحياً ساخراً وغنّتْ هي أغنية لأم كلثوم. منذ ذاك، لم يعد حسن يلتجئ إلى البئر ليُناغي الضفادع، محتمياً من الوحدة واليُتم الداخلي.. أصبح حب زينب بمثابة أفق للتعالي (تْرانساندانس)، يُضفي على حياته معنىً ويسنده في مواجهة تجربة التجنيد، الصعبة .
لكن أهمية «قط أبيض جميل يسير معي» لا تتمثل في الأحداث والشخصيات وتشبيكاتها المتفرعة، بقدْر ما هي ماثلة في الصنعة وطبيعة التخييل وتحقيق درجة عالية من النثرية التي اشترطها ميخائيل باختين صفة أساسية في تحقيق كتابة الرواية، المنضوية تحت نماذج الخط الروائي الثاني، المُنبنية على الحوارية والتعدد اللغوي والصوتي، والمُتحدّرة من سلالة «دونكشوت» وَ «ترسترام شاندي».
وكما هو معلوم، فقد حلل باختين دور المهرج والمحتال والأبله وأوضح كيف أن حضور مثل هذه الشخصيات في رواية ما يحمل إليها ما يسميه «الأليغوريا النثرية» أوْ «المجاز النثري». وبالفعل، تتميز رواية «قط أبيض..» بنثريةٍ خاصة تستند إلى أليغوريا محورُها شخصيتا الأب المهرج والابن الممثل وما ينطويان عليه من مرموزية ذات أبعاد موغلة في طبقات التاريخ. نتيجة لذلك، تُنتج هذه الأليغوريا المُركّبة متخيّلاً مزدوجاً يُحيلُ على قيّم اجتماعية وأخلاقية مُتضادّة. ويُكسر هذان البعدان، التهريجي الكاشف، وَالكوميدي الساخر، تلك الحواجز المصطنعة، المقصودة، التي تنصبها الإيديولوجيا الماضوية لكي تفصل بين القصر الملكي ورموزيته وطقوسه وبين الساحة العمومية الشعبية، التي تُعايش الواقع المباشر وتُقرّب المسافة بين العالم الملموس، المُمثَّل، والعالم التخييلي المُمثّل له . ومن خلال هذا التمثيل الفني الذي أنجزه الكاتب، تلاشى، أوْ كادَ، ذلك التباعُد المصطنَع بين الواقع والكوْن التخييلي .
والجانب الآخر المشخّص للمجاز النثري في الرواية هو الصوغ اللغوي عند يوسف فاضل وقدرته على توظيف نثرٍ تخترقه مستويات عدة من لغة لها مرجعية متباينة، تتميز بتركيبٍ للجمل القصيرة المازجة بين الوصف والسرد والمُستوحية ضمناً لِلُغةِ الكلام، والمشتملة على إشراقات شعرية متحدّرة من نثرية اللغة ونثرية الحياة على السواء. ويمكن أن نلاحظ في هذا المجال أن الكاتب قد وظف أحياناً، مصطلح «اللا فهْم» الباختيني ليكشف جوانب مستورة من حيوات بعض الشخوص، على نحو ما نجد في حديث حسن المُجنّد عن الجنرال بوريشة، المستفيد من حرب الصحراء والمُتاجر بالأسلحة والبشر.. فهو، عن طريق جُمَلٍ استفهامية تصطنع السذاجة والبلاهة، ينبش مناطق تمسّ المُخبّأ من حياة الجنرال.
وما يسهل هذا التوظيف كوْنُ اللا فهْم يرتبط بشخصيات المهرج والممثل والأبله وما شابهها من الشخصيات المؤثرة في الخطاب الروائي القديم والحديث، على نحو ما حلل باختين «إن مزج اللا فهم والفهم والبساطة والبلاهة والسذاجة والذكاء هو ظاهرة مألوفة في النثر الروائي ونموذجية بطريقة عميقة. ويمكن التأكيد أن هذا المظهر من اللا فهم والبلاهة النوعية (المقصودة) يكاد يحدد دائماً وعلى نطاق واسع تقريباً، نثرَ الرواية المُندرج في الخط الأسلوبي الثاني». (الخطاب الروائي، ص 140)
النثر والتخييل
يمكن أن نضيف عنصراً آخر أسعفَ على إنجاز هذه النثرية العميقة في الرواية، وهو عنصر التخييل الذي أطلّ منذ الفصل الأول ليجعل الحلم مُفتَتحاً للفعل قبل أن يرتدّ إلى تبويء الواقع وتفاصيله المكانة الأولى. لكن تقاطُع حلم حسن بحلم أبيه بلُّوط هو نوع من المفارقة التي تجعل الابن ينتقل من الحلم إلى الواقع، والأب يُفارق واقع الحلقة والفقر إلى حلم البلاط والثراء والسلطة. وهذه السّمة توحي للقارئ بإحساس «كما لوْ» (comme si)، أي تُولّد لديه انطباعاً بأن النص ومحكياته يقعان في مستوى البيْنَ بيْن، وتجعل اللغة محررة من المنطق العقلاني. ويتجلى ذلك في تلك الخرجات الشعرية التي تنبثق من حين لآخر، مثل حديث حسن عن الضحك بوصفه علاجاً ناجعاً للجنرال، وأيضاً مثل وصف اللحظات الأخيرة للغزالة التي اصطادها المجنّدون لابنة الجنرال، المدلَّلة.
في غمرة هذه الأحداث والشخصيات والتيمات، التي تلتقط قدْراً كبيراً من تجليات حياة المجتمع المغربي في العقود الأخيرة، لم ينس يوسف فاضل أن ينسج برهافةٍ ونثرية شعرية، علاقة حبّ قوي تَرعْرَعَ في قلب حسن المُجنّد، اليتيم، الذي أحب الحياة من أجل زينب؛ لكن «قلوب الحجر»، المُتعيّشين على اعتناق الإيديولوجيات وتطليقها وفق الأهواء، لم يسمحوا له بأن ينعم بعشقه لزينب. ومن ثم تلك النغمة الأسيانة التي تُدثر صوته كلما تحدث عنها: «تمشي وتجيء كأنما هالة ضوءِ تطوف أرجاء البيت. ها هي تضع الإبريق على النار أو تملأ كأس ماء. ها هي تمشط شعرها. ها هي تفتح باب المطبخ بأناملها الرقيقة. تغرورق عيناي بالدموع، وأنا أدرك أن الحياة التي أزهرتْ في محيطي تُهدد بأن تتلاشى. تأتيني الدموع بسهولة» ص 82.
تمكّنَ يوسف فاضل، في هذه الرواية، من استثمار ظاهرة المهرج والملك، المرتبطة بطقوس السلطة في المغرب، لينسج رؤية مزدوجة، تجسد المسافة الفاصلة بين عالميْن: عالم الأب، البطريركي، الحامل عقلية السلطة المخزنية، وعالم الابن، المتمرد الذي يجرؤ على الرفض ويتعلق بالحب داخل مجتمع لا يُبالي بعواطف الفرد.


محمد برادة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.