يثير المحيط الملكي أو ما يسمى «بالبلاط»،إشكالات حقيقية في بنية الدولة، نظرا لما له من تأثير قوي على القرارات التي يتخذها السلطان أو الملك وحتى الرئيس، بل إنه في بعض المراحل التاريخية، يصبح المشرف على هدا المحيط، سواء كان صدرا أعظما أو رئيس وزراء، أو وزير داخلية، كما كانت حالة إدريس البصري، المحور الرئيسي في الحياة السياسية، خارج أية شرعية شعبية أو انتخابية، فقط تكون هده السلطة مستمدة من قربها من رئيس الدولة، الذي يثق فيها و يزكيها و يطلق يدها. مثل هده البنيات سبق للدارسين أن قاموا بتحليلها، معتمدين على مناهج السوسيولوجية السياسية، في محاولة لتفكيك البنيات التي تعطي الشرعية لمثل هدا الشكل من الأنظمة، والتي يمكن تلخيصها في كونها دول تتمركز فيها كل السلطات في يد الملك، الذي يوزع المنافع عبر جهاز من الوسائط و شبكات من الولاءات، تمتد على مختلف الواجهات، لتقوي السلطة المركزية، وتستفيد من دورها كوسيط، يتحكم فيها المحيط الملكي. ويعرف كل المتتبعين أن الوضع في المغرب قد حظي باهتمام العديد من الباحثين، نذكر منهم على الخصوص الفرنسي، ريمي لوفو، في كتابه بعنوان «الفلاح المغربي، حامي العرش» و الأمريكي، جون واتربوري، في بحثه «أمير المؤمنين». الآن، وبعد المصادقة على الدستور الجديد، الذي أعطى لرئيس الحكومة صلاحيات مهمة، أو على الأقل اقتسم مع الملك العديد منها، يحق للباحثين و المتتبعين أن يتساءلوا ما هو دور المحيط الملكي في إطار البنية الدستورية الحالية. هل سيستمرون في خدمة وتطوير الوسائط والولاءات؟ أي هل سيلعبون نفس الدور الذي كانوا يلعبونه قبل الدستور الجديد، أو على الأصح هل مازلنا أمام السلطة الزبونية، التي تنظم شبكات النفوذ، اعتمادا على الحظوة التي تستمدها من البلاط؟ وفي هده الحالة، ما هو دور رئيس الحكومة؟ وهل يمكنه مواجهة هدا «التقليد»؟ بل أكثر من دلك ما هو مصير كل المبادئ التي تضمنها الدستور الجديد، والتي تنص على الشفافية وتكافؤ الفرص والاستحقاق في إسناد المسؤوليات واتخاذ القرارات... إن أهم الفصول التي توضح كيفية معالجة هده الإشكالية هما الفصلين 49 و71 من الدستور الجديد، اللذان ينظمان صلاحيات المجلس الوزاري، الذي يرأسه الملك، والذي تناقش فيه أهم القضايا والقوانين والتعيينات والسياسات وتحدد فيه المؤسسات الإستراتيجية... بمعنى أن المركزية الشديدة، التي كانت تسمح للقصر ولمحيطه التحكم في المنافع، كالسابق، قد تقلصت، ويمكن للحكومة أن تؤسس لنظام آخر مبني على الشفافية أكثر مما هو عليه الأمر الآن. لكن مع دلك تظل التساؤلات مطروحة، حول مدى قدرة الحكومة القطع مع «التقليد»، وهل سيتم اقتسام المنافع، في إطار صفقات متفق عليها، كل هده الأمور ستكون حاسمة في تنزيل روح الدستور الجديد على ارض الواقع. وستكون حاسمة أكثر في تحديد دور المحيط الملكي، هل سينتقل من دور الوساطة إلى دور ألاستشارة والخبرة، خاصة وأن صلاحيات الملك ودوره الجديد مازال يفرض عليه الإلمام بكل تفاصيل الملفات. لكن الفرق سيكون شاسعا بين دور المحيط كناسج للشبكات الزبونية وبين دوره كخبرة موازية للحكومة وألإدارة، لتطوير الأداء والحرص على احترام قواعد الديمقراطية و النزاهة والشفافية.