قدمت فرقة مسرح أفروديت، مساء الأربعاء 23 يناير بمسرح محمد الخامس بالرباط، مسرحية «شكون انتا؟»، تأليف الشاعر و الروائي محمد الأشعري، و إخراج عبد المجيد الهواس. بدأت المسرحية بسؤال واحد و انتهت بأسئلة كثيرة. كما بدأت بشخصية واحدة، هي رمسيس الاول، وانتهت بشخصيات كثيرة، منها التمناسخ ومناه الأصلي. وكل ذلك من شانه أن يطرح تساؤلات كثيرة، بل والتباسات كثيرة. فرمسيس يصبح عبر لعبة المرايا الخطيرة ثلاثة: رمسيس الاول، والثاني و الثالث. وتتبعهم الحقيقة لتصبح هي الأخرى ثلاث حقائق، أو ثلاث تقديمات للحقائق. هذا إضافة إلى الحقيقة، أو الوقائع التي تظهر من حين إلى آخر على شاشة تشبه شاشة الكبيوتر أو التلفاز. يختلف كل رمسي عن الآخر. فالأول متوسط العمر، والثاني شاب، والثالث شيخ. فأيهم الحقيقة؟ لكن الامر في حقيقة الامر، إن استعملنا مبادئ الفلسفة او السياسة او علم النفس، فإن رمسيس الأصلي انشطر بسبب جنون العظمة لديه، بسبب تسلطه الذي فاق الحد، حتى أنه لم يعد يعرف ما يقول ولا مايفعل. وفي النهاية انتهى به الامر على كرسي متحرك، كرسي الشلل، يقضي حاجته فيه. إنها دائرة جحيم تلك التي تقدمها المسرحية. تلك الدائرة التي لا يعاني فيها سوى الشرهون و الفاسدون و المتسلطون. و الأخطر في هذه الدائرة هو زمنها الدائري. فيبدأ كل شره الى السلطة، كل رمسيس، إلى تشكيل سلسلة زمنية لمفهومه للحقيقة، أو لحقيقته هو، وتدبيره هو، وخلاصه هو. إن الأجيال الثلاثة لرمسيس القوي، رمسيس الضعيف، تظهر شكلا للجحيم الذي يعانيه كل واحد منهمن. وهنا يدخل الماضي الذي يعذب الكل، تدخل الذاكرة، تدخل 25 سنة من التموجات التاريخية الصعبة، ومن التضاريس السياسية الوعرة. لكن الذاكرة ثابثة في موقفها، هي هي، تنققل الحقائح وتحفظها دون أن تخلقها من جديد. ومك ان الذاكرة غرفة تبريد تحفظ كل شيء ليبقى طازجا كما هو. 25 سنة، ربع قرن، مليئة بالمعطيات والسير والفضائح والمحن. أرشيق كامل كذلك الارشيف الذي تقلب أوراقه شخصية «مايا «من حين إلى آخر. مايا المراة الوحيدة التي تتانق وتغير ثيابها وتلعب كامل دورها في خلق تواتزن ما. ورمسيس ، بصيغه الثلاثة، ورغم أنه وحش يأكل نفسه، يجعل من المسرحية نصا لغويا أيضا. نص يجعل من كل وحش متسلط يريد ان يجعل من السياسة، التي هي التسلط، حلما سريع الزوال لأنها في النهاية لا تنتج سوى المآسي و الجحيم، والزمن الدائري الذي يبدأ بشيء و يعود إليه. لذلك تبدأ المسرحية ب «شكون انتا» ( أي من أنت؟ أو من تكون؟) و تعود إليه دون إجابة فيسود الظلام ويسدل الستار. لقد برعت المسرحية، نتيجة لذلك، في إنجاح فن المفارقة، هذه الأداة التي حولها فن القرن العشرين إلى فكاهة سوداء. الشخص القوي، المتسلط، يتنهي مقعدا، عاجزا، ينتظر المستحيل وهو قاعد ينصت لأصداء ذاكرته. كأنه في مستنقع. بعد أن واجهته مصائب التاريخ، و مصائب السياسة، ومصائب النفس. إنتها إذن مسرحية كل شيئ فيها مضاعف: رمسيس، الحقيقة، المصائب، الجحيم. لذلك نرى أن المسرحية قدمت بنفس لاهث، سريع و كأن الشخصيا مطاردة من الوحوش، لنرى في الأخير أنها مطاردة من طرف نفسها الجشعة والجائعة والتي تريد أن تصبح مقوة ماوراء بشرية. وذلك الإيقاع/ المطاردة جعل من الشخصيات غير قادرة على تسمية الفعل ومن يقوم أو قام به؟ نستخلص في النهاية، أن العناصر المكونة للمسرحية: اللغة، الرؤية، الإخراج كلها عناصر كتبها أربعة أشخاص: الاشعري الشاعر، والمناضل، والمسؤول الحكومي السابق، مع إضافة عمل المخرج عبد المجيد الهواس الذي منح للنص ما يستحق من قوة.