لا أعلم سر إصرار البعض على التمسك بالمادة التي تجيز محاكمة المدنيين عسكريا، والتي نص عليها دستور الإخوان 2012، »أعظم دستور فى العالم«، كما كانت تطلق عليه الجماعة المعزولة، ولا أعلم سر تباطؤ البعض الآخر، أو تردده من إلغاء هذه المادة. المادة الواردة في »أعظم دستور في العالم« نصها: القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل فى كل الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها، وجرائم الخدمة العسكرية وتلك التى تقع داخل المنشآت العسكرية أو على منشآت القوات المسلحة ومعداتها وأسرارها. ولا يجوز محاكمة مدنى أمام القضاء العسكرى إلا فى الجرائم التى تضرّ بالقوات المسلحة ويحدد القانون تلك الجرائم، ويبين اختصاصات القضاء العسكرى الأخرى. وأعضاء القضاء العسكرى مستقلون، غير قابلين للعزل. ويكون لهم كل الحصانات والضمانات والحقوق والواجبات المقررة للجهات القضائية. ووجه الانتقاد على هذه المادة أنها فضفاضة، فتعبير »تضر بالقوات المسلحة« قد تبدأ من الاعتداء على سلاح القوات المسلحة، وتنتهى بسباب أحد ضباط القوات المسلحة فى إشارة مرور لأنه »حك« سيارة مواطن آخر فقال له: »مش تفتح يا حمار؟« ولنا فى قضية شيكابالا خير مثال، بل أود هنا أن أذكر بالخطاب الكارثى لمحمد مرسى، والذى ألقاه قبل يوم 30 يونيو بحضور لفيف من معاتيه الجماعة، إلى جانب بعض مسؤولى الدولة، ومنهم الفريق أول عبد الفتاح السيسى ووزير الداخلية محمد إبراهيم، حيث قال، ضمن ما قال من بعض هذيانه، إنه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإن أى إساءة له تعد إساءة للقوات المسلحة، مما يعنى أنه يحق له محاكمة كل المسيئين له عسكريا، و»سأستعمل القسوة«! ثم أشار بعدها إلى الفقيرة إلى الله قائلا إننى »البنت اللى بتشتم دى.. ترضى أبوها ال... أبوها ال... شايب ده يتشتم كده؟« أى أننى، ومن هم على شاكلتى، تم تهديدنا بالمحاكمات العسكرية لأننا أطلقنا على المعزول لقب »استبن«، وبما أنه القائد الأهبل للقوات المسلحة، فإن ذلك يعد إساءة إلى الجيش، مما يضعنا تحت طائلة المادة المذكورة أعلاه! طيب، ما وجه اعتراضنا على محاكمة المدنيين عسكريا؟ رغم اندهاشى من مجرد طرح ذلك السؤال، فإنه للأسف، تم طرح السؤال بقوة، وعلى نطاق واسع، مما يحتم علينا الإجابة عنه، مهما بدا السؤال عجيبا. أول اعتراض لنا على محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكرى، هو أن المدنى مدنى، وله قضاء طبيعى يحاسبه ويحاكمه، وأن العسكرى عسكرى. ثانيا، القضاء العسكرى، شأنه شأن الحياة العسكرية، قاس وصعب، ويهدف إلى تغليظ العقوبات على من يخدم فى المؤسسة العسكرية، نظرا لطبيعة المؤسسة، وأهمية الانضباط بالنسبة لها، فمن يسأل: لماذا تعترضون على محاكمة المدنيين عسكريا؟ أسأله: ولماذا لا تزحف كل يوم على بطنك فى الصحراء تحت أشعة الشمس الحارقة؟ ولماذا لا تأكل الثعابين؟ ولماذا لا تستبدل بفراشك الوثير النوم على الأرض؟ ثالثا، القضاء العسكرى ليس فيه رجعة، وليس كل المحامين مؤهلين للمثول أمامه للدفاع عن المتهمين، ولا يأخذ الوقت اللازم لبحث القضية، ولا يسمح بالرجوع فى الأحكام، يعنى حكم عليك ب25 سنة، خلاص.. الله يرحمك بقى. رابعا: ما هذا السؤال؟ هاه؟ إيه ده فعلا؟ قد يفهم البعض أن المطالبة بعدم محاكمة المدنيين عسكريا له صلة وثيقة بالرغبة فى أن يتاح للمدنيين إهانة المؤسسة العسكرية، أو الاعتداء عليها، أو الإضرار بالأمن القومى. والواقع أن هذا ليس له أى أصل من الصحة، فلم يحدث أبدا أن اعتدى المطالبون بوقف المحاكمات العسكرية للمدنيين على المؤسسة العسكرية، أو أساؤوا بأى شكل من الأشكال للأمن القومى، والواقع المعيش على الأرض أثبت أن من نصوا على محاكمة المدنيين عسكريا فى دستورهم هم من يهددون الأمن القومى الآن، وهم من احتفلوا بهزيمة 67 حين كانوا فى الحكم، وهم من ملؤوا سيناء بالإرهابيين، وهم من طرحوا خريطة مصر بدون حلايب وشلاتين، وأنه من ظل مجلس طنطاوى، والشيخ حسان، يتهمونهم زورا بأنهم يريدون هدم الجيش لم يكونوا يرغبون فى شىء سوى حياة أفضل للمواطنين، وقد علمنا الآن من يريد هدم الجيش المصرى، وعلمنا أيضا أن هذه المادة، وأن المحاكمات العسكرية للمدنيين، لم تحل دون أن يرتكب هؤلاء جرائمهم. وإن كنا نرغب فى حفظ هيبة المؤسسة العسكرية، فلتكن المادة أكثر وضوحا وتحديدا، لا أن تكون فضفاضة بحيث نفاجأ بمواطن يقدم لمحاكمة عسكرية، لأنه تشاجر مع أحد الجرسونات فى إحدى دور القوات المسلحة، والذى تصادف أنه عسكرى يؤدى خدمته العسكرية فى هذه الدار.