شكل معرض النقوش الصخرية الصحراوية الذي نظمه الفنان التشكيلي الصحراوي الأصل الإمام دجيمي، طفرة نوعية في العرض سواء من حيث الإخراج أو الموضوع، أو تأثيث اللوحات التشكيلية المختلفة لتجاور عناصر الطبيعة ، النقوش الصخرية وهي مبثوثة وسط كمية الرمال بعناية فائقة». وسيلمح الزائر لهذا المعرض كيف أن اللوحات والقطع التشكيلية التي صاغها الفنان الإمام «بتقنيات تركيب المواد وانصهارها على شكل قطع صغيرة متكوِّمة داخل إطارات خشبية وزجاجية ترسم في تكدُّسها مراحل التفتت والاندثار الذي ينخر جسد التراث الصخري في الصحراء». وأيضا سيلاحظ كيف تم»اعتماد أسلوب التشميع والتقطير والكشط والدعك.. إلى جانب أساليب تلوينية متنوِّعة مزج فيها صباغة الأكريليك بدقيق الرخام والرمل وبعض الصبغات والملوّنات التقليدية، كالزعفران ومسحوق الجوز، وذلك لإعطاء القماشة أوجها متعددة من القراءات البصرية..على حد ما في ورد في القراءة الجيدة للناقد التشكيلي إبراهيم الحيسن للوحات المعرض. ولعل هذا ما يفسر أن لوحات هذا الفنان وجدت في النقوش الصخرية المكتشفة بمنطقة «العصلي بوكرش» بضواحي السمارة، مادة تشكيلية خصبة استمدت منه كل العناصر التخييلية وجعلت المعرض يمزج بين اللوحات الصباغية والصور الفوتوغرافية والنقوش الصخرية الحية ليؤثث بها المشهد في تناغم إبداعي . وقد ظهرت ملامح التجاوب بين النقش الصخري واللوحات التشكيلية في الملامح البشرية و الحيوانية وفي الرسوم و المنمنمات و الأيقونات والرموز التي تم العثور عليها منقوشة على صخور منطقة العصلي تعود لحقب تاريخية بعيدة. ومن ثمة فهذه النقوش الصخرية المكتشفة تكتسي قيمة كبيرة على مستوى التوثيق والتأريخ عن الحياة بجنوب المغرب قبل أن تتحول هذه المنطقة إلى صحراء قاحلة بفعل التغيرات المناخية. كما أن أعمال الفنان دجيمي تكتسي قيمتها الفنية من حيث قدرتها على استعادة ملامح الحيوانات والشخوص الآدميين التي تضمنتها تلك النقوش، وهي تختزل في العمق مسعاه الذي يروم تحسيس الجميع من أجل حماية هذا الموروث الثقافي المغربي من كل اندثار،خاصة أن هناك شركات تتهافت على هذه الصخور بدافع تجاري حيث حولتها إلى جزيئات وفتات وحصيات لاستعمالها في مواد البناء. ولذلك حولت صرخته الفنية تحريك قضية اندثار هذه النقوش، ولفت انتباه المسؤولين على الشأن المحلي والعام عموما وعلى الشأن الثقافي خصوصا لإيلاء أهمية لهذه الآثار حتى لا تلقى مصير ما عرفته عدة نقوش صخرية بعدة مناطق بالمغرب.بل كان هذا من الأسباب التي جعله يتخذ من هذه القضية تيمة أساسية كعنوان لكل معارضه التي نظمها بالمغرب بالرباط والدار البيضاء ومراكش وكَلميم، بوجدور، السمارة، أكادير وأيضا بالخارج في ألهاو (البرتغال)،أراد (رومانيا)،أمستردام، فينلو( هولندا) وسان دوني، نانت (فرنسا) وباريس في معهد العالم العربي بمناسبة الحدث الثقافي الكبير»المغرب المعاصر». وحسب الورقة النقدية التي أعدها الناقد إبراهيم الحيسن، فالمعارض التي نظمها ادجيمي تعد» شكلا من أشكال التحسيس بأهمية المتروكات واللقى والنقوش الصخرية التي تتعرَّض يوما بعد يوم في الصحراء للتفتت والانقراض والضياع والاندثار بسبب عوامل الطبيعة من جهة. وبسبب عمليات النهب والسلب التي تمارسها جهات برَّانية دخيلة في غياب حماية حقيقية مؤسَّسة وتصدٍّ واسع لكل اعتداء يمس الذاكرة الثقافية والتاريخية الصحراوية..». وأضاف أن» التراث المادي الصحراوي يحبل بالعديد من الآثار والشواهد المادية الضاربة في العراقة والقِدم، من ذلك النقوش الصخرية التي تعد ذاكرة مشتركة وحافظة جمعية تختزل في عمقها نقوشات صخرية قائمة على التعدُّد والتنويع»، مشيرا إلى أن «هذه الصخور والأشكال والرموز والتصاوير المفردة (الموتيفات)التي تغطيه- تعكس، في نواح تعبيرية كثيرة، أنماط العيش في الصحراء في مراحل وظروف بيئية متعددة..إلى جانب عديد من الآثار والبقايا التي تكشف عن الدلائل والرموز والرسومات التي تشير إلى تنظيمات بشرية وتشكلات حيوانية قديمة وعناصر ملموسة مازالت تحفظ أثر حياة سحيقة كانت هناك». للإشارة فالإمام ادجيمي أستاذ التربية التشكيلية وفنان تشكيلي يلعب دورا جد مهم في تعزيز وتطوير الفن التصويري بالمنطقة الجنوبية. وفي هذا الصدد، فهو أحد الأعضاء المؤسسين لجمعية الأفق الأزرق للفنون التشكيلية بأكادير،.كما يشغل ايضا منصب الكاتب العام وعضو مؤسس لاتحاد الفنانين التشكيليين في جنوب المغرب، وهوعضو مؤسس لمجموعة أرض للفنون التشكيلية بالمحمدية، وأعماله كلها مستوحاة من الفن الصخري ما يعبر عن مدى ارتباطه بالتراث الصحراوي.