يوشك يناير بزمهريره على الرحيل، وأنا أتذكر رواية "انتقام يناير" الرواية التي ما كنت أعتقد وأنا أنسح خيوطها وأرتب أحداثها وأسابق الزمن لتكون جاهزة للنشر والتوزيع مع مطلع شهر يناير 2020 وتتناسب أحداثها مع تاريخ صدورها … ما كنت أعتقد أن ينتقم يناير من الرواية ذاتها، ومن كل ما يرتبط بها، فإذا كانت أحداث الرواية تدور حول بطلة (فاطمة) تأثرت في صغرها بتلك الأسطورة الأمازيغية التي تحكيها العجائز للصبيان، تبرر برودة وطول شهر "يناير" والتي تحكي حكاية عجوز استهانت بقوى الطبيعة وتظاهرت بقوتها وصبرها وتحديها لقوة برد "الناير" فأعلنت فرحها آخر أيام الشهر معتقدة انتصارها على زمهرير هذا الشهر البارد، مما أغضب "الناير" وأقسم على الانتقام بعد أن اقترض يوما من فبراير لينتقم من تلك العجوز بعبارته الشهيرة " اقترض يوما من فبراير يبقى فيه شعرك يتطاير"، فظل فبراير ب28 يوما منقوصا دون غيره من الشهور، ونجح يناير في تحقيق وعيده وظل الأمازيغ يحتاطون من انتقام هذا الشهر فيفضلون تعطيل أعمالهم، وعدم الخروج للرعي، ولا الصعود للجبال مخافة أن تباغتهم عواصف ورعود يناير… طل صدى تلك الحكاية يتردد في ذهن وحياة فاطمة وهي تسترجع أهم محطات حياتها والمآسي التي توالت عليها وعلى بلادها وعلى الأمة العربية ومعظمها ارتبط بشهر يناير منذ ولاتها في ذات الشهر قبل أربعين سنة حتى تفجير أحداث الربيع العربي في يناير مطلع 2011 … وكانت كل الآمال معقودة على أن يجد كل قارئ عربيفي الرواية جزء من حياته لأنها رصدت تفاعلات الأمة على امتداد المرحلة التي تغطيها الأحداث لكن آثر يناير أن يوجه سهامه للرواية نفسها!! إذا كانت الرواية تستعرض تفاعل البطلة مع انتقامات شهر يناير، فالغريب هو أن ترتد كل تلك المآسي لتطعن الرواية في قلبها، فقد كان مقررا أن يتم توقيع هذه الرواية بالمعرض الدولي للكتاب مطلع سنة 2020 ، لكن للأسف عندما زرت المعرض في السبوع الأول من فبراير تحملني الآمال على أجنحتها، استقبلني الناشر في الرواق الذي خصص لعرض منشوراته معتذرا عن عدم برمجة حفل التوقيع بحجة عدم وصول الرواية، وأن الشحنة التي كانت تتضمن نسخا من رواية "انتقام يناير" اعترضها عارض فبقيت مع عدد من المؤلفات الأخرى بميناء بيروت الدولي، ووعدني أنه سيسترجع النسخ مباشرة بعد عودته إلى لبنان وسيتدبر طريقة لأرسالها، وأنه سيبحث عن أي عارض مغربي في أي معرض قادم ليرسل لي معه نسخا من الرواية… أسررتها في نفسي ولم أبدِها لمن كانوا معي ينتظرون أن أوقّع لهم نسخا من الأصدقاء الذي دعوته للحفل… إنها رواية "انتقام يناير" ها قد انتقمت مني ومن أصدقائي وحتى من أصدقائها الكتب الذين كانوا معها في الرحلة… عدت إلى عملي وفي نفسي حسرة الثكلى التي حملت في أحشائها جنينا وانتظرت ولادته بعد طول انتظار وأجهظت الولادة لم تتم…. كنت متشوقا لاحتضان "انتقام يناير" فكان غيابها عن الموعد اللطمة الأولى تطايرت لها آهات الثكلى، ما كدت أستيقظ منها حتى ضرب وباء كورونا العالم، وأغلقت المطارات والموانئ والمحطات … فتصدعت الأحلام، وُبنِيَ جدار سميك بيني وبين روايتي "انتقام يناير" وعشت أيام كورنا على ترديد بيت المجنون وَقَد يَجمَعُ اللَهُ الشَتيتَينِ بَعدَما يَظُنّانِ كُلَّ الظَنِّ أَن لا تَلاقِيا وصار الأمل متى يتخلص العالم من الوباء؟ وهل من انفراج؟ أي فجوة تتيح لي لقاء روايتي التي سهرت ليال لكتابتها وتخييل أحداثها بعدما انتقم منها أول "يناير" صدرت فيه؟ لم يعد من كلام يمكن قوله للناشر في عالم توقفت فيه كل الإرساليات، أي مصير ل " رواية انتقام يناير" ؟؟ اكتب غيرها… بدأت الحركة تذب في الحياة وعاد أمل التوصل بنسخ من رواية انتقام يناير يداعبني من جديد… وجاءت المفاجأة الأكبر، انتقام جديد يضرب رواية "انتقام يناير" ذلك الصيف وفي اتصال بالناشر والصديق أحمد فواز، أسأله وأطمئن نفسي عليه والعالم يتداول خبر انفجار مرفأ بيروت… كانت المفاجأة أن صرح لي أن الشحنة التي تتضمن نسخ رواية "انتقام يناير" كانت ضمن ضحايا انفجار ميناء بيروت غشت 2020… وأنه لم يسحب الشحنة من الميناء وأنها دمرت مثلما دمر الانفجار الكثير من الأشياء التي كانت هناك، كان الانتقام هذه المرة أقوى، فصبرا جميلا! وما قيمة ضياع كتاب أمام ضياع الأرواح والممتلكات في تلك الانفجار المدمر… اكتب رواية أخرى متفائلة تنشر الفرح، وانس "انتقام يناير" على نفسها جنت براقش، ألم تجد ما تكتب فيه سوى الانتقام و"يناير" الشهر الذي تقدسه الثقافة التي نشأت فيها؟ طبيعي أذن أن ينتقم يناير من رواية "انتقام يناير" وسيتخذ الانتقام صورة أخرى عندما كانت نسخة المعرض الدولي للكتاب التي اعتاد عليه المغاربة والعالم موعدا سنويا بمدينة الدارالبيضاء، انتقمت منه هو الآخر رواية "انتقام يناير" وجعلت تلك النسخة النسخةَ الأخيرة للمعرض الدولي للكتاب التي تقام بمدينة الدارالبيضاء، غابت عنها رواية "انتقام يناير" فتم تغيير المعرض بالكامل عن العاصمة الاقتصادية للمغرب وتحويله بعد تلك النسخة إلى الرباط… رغم كل شيء تبقى رواية "انتقام يناير" الرواية التي ظلمتها الظروف وتعثرت ولادتها وتعثر حفل توقيعها ولم تحظ بنفس المتابعة النقدية التي حظيت بها شقيقاتها من الروايات التي ألفتها، واللواتي لم يحظين بنفس الشوق، إذ استقبلت رواياتي الأخرى بدم بارد مختلفا عن ذلك الشوق الذي كنت أنتظر به ميلاد رواية "انتقام يناير"، كل كاتب يتشوق لاحتضان أي كتاب يكتبه، لكن شوقي " لانتقام يناير" كان أكبر ويا فرحة ما تمت! فهل يأتي يوم ويعاد فيه الاعتبار لهذه الرواية التي ظلمتها الظروف؟؟ ربما يعاد الاعتبار لها يوما عسى يكتشف فيها القراء ما لا يوجد إلا في رواية "انتقام يناير"