تُعدّ التغيرات المناخية، شأنها شأن قضايا مستجدة وحيوية أخرى، من المواضيع التي تحظى باهتمام واسع. غير أن هذا "الاهتمام" في بلدنا يظل، في كثير من الأحيان، غارقًا في فوضى معرفية تتسم بالعشوائية وغياب المنطق العلمي والإبستمولوجي القادر على تنظيمها، ونقلها من تكديس المعلومات و«اللامعلومات» إلى بناء خطاب معرفي سليم في المبنى والمعنى. فكل طرف يستدعي في تحليله رصيده المعرفي الخاص، من التاريخي إلى الأنثروبولوجي أو الاقتصادي، بل وحتى السياسي أو الديني، بينما يغيب في المقابل الحقل المعرفي المعني بدراسة منهجية بناء الأفكار العلمية، أي العلم ذاته وتاريخه. وخلال أزمة كوفيد-19، برزت من جديد وبإلحاح مكانة الإبستمولوجيا وأهمية النقاش الإبستمولوجي، خصوصًا ما يتعلق بتحليل العلاقة بين العلم وبقية الحقول المعرفية. كما أُعيد طرح قضايا مركزية، من قبيل العوائق الداخلية التي تعتري العلم، ونزع القداسة عنه، وأهمية الخطأ ومكانة الشك في تطور المعرفة العلمية، ودور الصدفة وهشاشة الحتمية، وحدود قدرة العلم في لحظات تاريخية معينة، فضلًا عن الجدليات الحادة التي تنشأ بين منظومات العلم والسياسة والأخلاق. لقد أتاحت التقنيات الحديثة إمكانات غير مسبوقة للحصول على المعلومات بسهولة وسرعة في مختلف المجالات. غير أن توفر المعلومات وحده لا يكفي لنقل الفرد من حالة الجهل بموضوع ما إلى معرفته أو الإحاطة العلمية به، خاصة في القضايا التي يتداخل فيها العلمي مع حقول معرفية أخرى. ففي مثل هذه السياقات، يصبح امتلاك معرفة رصينة مشروطًا بتجاوز محاذير متعددة، من التضليل والخلط، إلى النزعات الإنسانية نحو التعميم والإطلاقية، وغيرها من العوائق التي تعترض طريق تطور المعرفة عمومًا، والمعرفة العلمية على وجه الخصوص. ولا يتعلق الأمر هنا بالمختصين، الذين يُفترض امتلاكهم للأدوات المنهجية اللازمة، بقدر ما يهم الحوامل التي تُنقل عبرها هذه المعرفة لتصبح متاحة لأوسع شريحة من المهتمين. وهي حوامل إعلامية ومؤسساتية لها منطقها الخاص، وغالبًا ما تُسهم، بقصد أو بدونه، في صناعة جمهور واسع من غير العارفين. ويزخر هذا البلد بجهود فكرية وازنة في المجال الإبستمولوجي، أسهمت في إنتاج معرفة مرجعية داخل المغرب وخارجه. غير أن هذا المسلك المعرفي، رغم أهميته البالغة، لم ينل المكانة التي يستحقها داخل الجامعات المغربية، وأضحى حضوره يتراجع تدريجيًا، إلى حد يثير القلق من اندثاره. فإذا انكفأت الجامعة، وتراجعت المؤسسات البحثية، وغرق الإعلام في الجهل والشعوذة، عن وعي أو عن غير وعي، وغاب المتخصصون عن فضاءات صناعة وتداول «المعرفة» السهلة وسريعة الاستهلاك، فأي وعي آمن يمكن بناؤه وسط هذا الكم من الفوضى: فوضى الجهل، وفوضى المعلومات، ونزعة الاستسهال، والتصلب المعرفي؟