في الطريق إلى المدرسة، في طفولتنا، كنا نسبح في ملكوت العيش المشترك، نعاين من يفض نزاعًا بين طرفين، نرى من يأخذ بيد عجوز أو عجوزة، تشاهد من يساعد مريضًا، أو يتصدق على متسول، هناك من يرفق بقط شريد أو كلب طريد. تسمع من يمالحون بعضهم بعضًا، فيتحول المارون إلى جمهور عابر يهديه مسرح الطريق ضحكة تؤنسه في مشواره، تبتهج بزغرودة مدوية عبر الأثير تبعثها نافذة أو تبثها رطوبة الجدران، فتتقاسم مع الناس فرحًا ليس فرحك، وتتعلم من استقبال المارة لهذا الإعلان الفرح، كيف يثمنون فرح الآخرين ويهنؤونهم بصيغة المبني للمجهول ("الله يكمل بخير")، أو كيف يستبشرون بهذا الفرح بصيغة المعلوم ("الله يجعلو فأل خير"). يجرفك أحيانًا الطريق إلى الأدراج المؤدية إلى سينما الملكية، تقف منبهرًا أمام الملصقات الكبرى للأفلام المعروضة، تمنِّي النفس أن يجود الزمن بفرصة ولوج هذا العالم المدهش، تتكئ على الحائط، كي تتسمع صدى أصوات صاعدة من بئر غائر، تتفرس في ملامح المغادرين لقاعة السينما، متبركًا بمشاهدتهم السعيدة، ومشنِّفًا الآذان بتعليقاتهم الساخنة. ولم يتحقق هذا الاكتشاف الموعود لقاعة السينما، إلا عند بلوغي سن الرابعة عشرة... في الطريق تسمع نصف الحكاية، وقد تتخيل حبكتها، وتلتقط نصف الحوارات، وتفترض تتمة لها، قد تعاين سبب نزاع، لكنك لا تعرف مآله. لا أزال أتذكر هذا المشهد العجائبي، الذي أصبح جزءًا من الطريق، ولحظة موعودة في الزمن، في حي خريشفة وحيث "عند الإشارة تكون السابعة صباحًا"، نمر على طفل لا يتجاوز عمره التاسعة، يقف أمام باب منزل، يرفع عينيه صوب "الطاقة" (نافذة صغيرة)، ويردد بلثغة نفس الجملة بدون توقف وبلكنة متعجبة: "ادريس، أدريس، قال لك أعزيزي أرالو الشاكوش!!!". كل صباح، ما إن أصل إلى نفس المكان أسمع الطفل يرفع عقيرته، ويوجِّه سهام صوته إلى النافذة، مخبرًا ادريس أن "لمعلم" يطلب منه مده بالشنطة. أتجاوز المكان، وخلفي يظل النداء يتردد كالأذان. ينهشني الفضول فأواصل الطريق وأنا أتساءل: لماذا لا يستجيب ادريس للنداء؟ لماذا يتعين أن يكرر الطفل نفس النداء كل صباح؟ لماذا لا يأتي الشخص لتسلّم الشنطة بنفسه عوض إرسال هذا الطفل؟ ماذا يوجد بالشنطة؟ لا أعرف كم استمر عرض هذا المشهد في مسرح الشارع؟ لكن الأكيد أنه استمر لأكثر من سنة. ولما بلغ الفضول أوجه، استفسرت ذات يوم الطفل عن أمر النداء، فأخبرني أن الأمر يتعلق بشنطة تتضمن أدوات عمل في أحد الورشات الحرفية، وأن ادريس هو اليد اليمنى "للمعلم"، وهو آخر من يترك الورشة في المساء، ويغلقها حاملاً معه الشنطة التي تتضمن مفاتيح الورشة. ولأن ادريس لا يستطيع الاستيقاظ باكرًا، ف"لمعلم" يرسل هذا الطفل "المتعلم"، ليقوم بوظيفة مزدوجة: تسلّم الحقيبة من أجل فتح الورشة، وإيقاظ ادريس من النوم والاستعداد للالتحاق بالورشة. لا شيء يبدو غريبًا في هذه الحكاية، لكنها حدث فانتاستيكي، ظل موشومًا في ذاكرتي، حيث غالبًا ما كنت أردد هذه الجملة على مسامع أصدقائي وأقربائي... كما أن تشغيل هذا الطفل الصغير عوض التحاقه بالمدرسة، كان مؤلمًا بالنسبة لي، كنت أعاين العديد من الأطفال يشتغلون في الحوانيت، وفي الورشات، وفي السوق، أدركت منذ طفولتي المبكرة أن ثمة ما يمنعهم، وأنهم لا يستطيعون ذلك بسبب ظروفهم الاجتماعية، كنت أشعر بأنني محظوظ، يكبر السؤال بداخلي: هل هم يتامى؟ هل هم من الأطفال المتخلى عنهم؟ هل هم فقراء؟ كنت أعتقد أن الفقراء هم من يفتقرون إلى حق التمدرس. كنت أشعر بالظلم وبالخجل، وبوجع المدينة الذي سيسكنني، كيف تسمح المدينة بهكذا خلل؟ ترى ماذا خبأ الزمن للطفل صاحب النداء؟ هل تجاوز خط الوجع؟ هل كبر النداء بداخله، بحثًا عن المستحيل؟ هل لا يزال أسير طفولته؟ سيظل صوت "ادريس، أدريس"، رنانًا بداخلي، وكأنه نداء استغاثة من طفل إلى مؤسس المدينة المولى ادريس، وكأنه صرخة مدوية في وجه المدينة، التي سيتغول فيها أكثر فأكثر الظلم والهشاشة، على طول السنين الممتدة بين الطفولة والكهولة. في الطريق تتابع باندهاش فن التقاسم، دعوة بائع لك لتذوق ما يعرضه، أو لارتشاف كأس شاي من براد يرافقه. تمتن للخدمة التطوعية والمجانية التي تقدمها بعض الحوانيت، وحتى بعض المنازل، حيث تملأ الخوابي بالماء وتضع رهن إشارة عابري السبيل غراريف الطين المدهونة بالقطران، وتجعلها وقفًا على الناس من أجل الشرب، فتتشرب بقيمة العطاء، تتقاسم مع زميلك ما لديك من أكل وما بحوزتك من سنتيمات لشراء ما تؤنسان به سيركما. تهديك الطريق حق إرواء عطشك من سقاية السبيل (السبالة)، وتهديك حق قضاء حاجتك بتوفير مراحيض عمومية، تمنحك حق اللعب، والاستمتاع، والنزهة، كانت تمنحك حق التنزه، حق الساحة والمساحة، حق الفراغ والخلاء. هكذا ترعرعنا منذ صغرنا على عطاء المدينة وسخاء ساكنتها، وعبق عيشها المشترك حيث تقاسم الأفراح والأتراح، فيكون العطاء تجليًا من تجليات الحب. فالحب بين الناس نشاط يتجدد داخل المدينة، قبل أن ينفذ إلى القلوب والنفوس، بفعل القدرة على العطاء وليس على التلقي، وكلما لم نعد قادرين على العطاء إلا وأصبح الحب عاجزًا عن إنتاج ذاته. إن العطاء هنا غاية في ذاته، وليس عطاءً من أجل التلقي، إنه تعبير عن القوة وليس عن الضعف. فالعطاء هو طقوس الضيافة. كانت المدينة تزخر بروح الضيافة، لهذا تسكننا أطيافها، كان العطاء هو وجه المدينة المشرق. لماذا تقهقرت المدينة؟ لماذا تزحف المباني على المدينة وتكبر أطرافها بشكل غير متوازن؟ لماذا تتراجع المدينة عن العطاء؟ لماذا تنعدم الساحات والمساحات والخلاء؟ لماذا لم يعد الماء نفس المدينة وركنها الأصلي، وسريرة أزمنتها وأمكنتها، كيف يمكن تصور المدينة بدون ماء، بدون مراحيض عمومية؟ هل المدينة كبرت أم شاخت؟ هل هو توسع تعميري فقط أم أنه خراب عمراني؟ يبدو أن المدينة في قهقرى. عندما أتأمل ما يتشربه الأطفال اليوم من اختزال العطاء في الربح وفي المقابل (رابح-رابح)، ومن تحذيرهم من تقاسم أغراضهم وأكلهم مع الآخرين، أدرك مدى حجم الخسارة التي تلحق المدينة، ومدى تغول الخراب داخل عيشنا المشترك.