برعلا زكريا سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. شهدت مناطق الشمال ووسط المغرب ليلة استثنائية حولت ظلمة الليل إلى نهار خاطف لثوان معدودة، وسجلت أجهزة الرصد الجوي نشاطا رعديا غير مسبوق من حيث الكثافة والقوة، تجاوزت فيه شدة الأصوات المعدلات المألوفة، متسببة في اهتزاز جدران المنازل ونوافذها، مواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى دفتر مفتوح لتدوين شهادات الخوف والهلع، حيث أكد مواطنون من طنجة حتى القنيطرة سماع دوي يشبه الانفجارات الحربية، مما أجبر بعض الأسر على قضاء ليلة بيضاء في ترقب حذر، هذا المشهد الجوي العنيف تزامن مع استمرار تدفق السيول الجارفة نحو سهول الغرب، حيث تحاصر المياه الدواوير وتزيد من عزلة الساكنة التي تواجه الطبيعة بقلق وتوجس. ويربط التفسير العلمي هذه الظاهرة باصطدام عنيف بين كتل هوائية قطبية شديدة البرودة في طبقات الجو العليا وتيارات دافئة مشبعة بالرطوبة قادمة من المحيط الأطلسي، هذا التباين الحراري الحاد ولد شحنات كهربائية عالية التوتر فرغت طاقتها على شكل صواعق وبروق متتالية، بينما نتج الصوت المهيب عن التمدد المفاجئ للهواء المحيط بمسار البرق، والواقع الميداني يؤكد أن البنية التحتية، مهما بلغت صلابتها، تقف عاجزة أمام غضب الطبيعة حين يقرر الغلاف الجوي تفريغ شحناته الكاملة في حيز زمني ضيق. علماء الإسلام المتقدمون قرروا أن هذه الظواهر ليست مجرد تفاعلات فيزيائية صماء، بل هي رسائل كونية تحمل دلالات عقدية عميقة، الرعد في ميزان الشرع هو صوت جند من جنود الله، وسوط يسوق به الحق سبحانه السحاب حيث يشاء، الكون كله كتاب مفتوح، وما هذه الأصوات التي تخلع القلوب إلا آيات توقظ الغافل من سباته، وتذكر الساهي بأن لهذا الكون ربا قديرا يدبر أمره، الفيزياء تشرح كيفية حدوث الصوت والضوء، لكن الفكر الإسلامي يشرح الغاية منهما، فالوميض الذي يخطف الأبصار يكشف محدودية القدرة البشرية أمام شحنة سماوية واحدة قادرة على إحراق مدن بأكملها لو أذن الخالق لها. الإنسان يغتر غالبا بالمال والجاه والمنصب، فيأتي الرعد ليذكره بحجمه الحقيقي ويعيده إلى مربع الضعف والانكسار، الفناء لا يتطلب أسلحة دمار شامل أو حروبا نووية، بل يكفي تغير طفيف في حركة الرياح أو زيادة في تفريغ الشحنات الكهربائية لتعود البشرية قرونا إلى الوراء، الشعور بالخوف الذي سيطر على الناس ليلة أمس هو الدليل العملي على هشاشة النفس البشرية التي تتجبر في الرخاء وتنهار عند أول اختبار كوني، الطبيعة حين تغضب لا تفرق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، فالكل تحت سقف السماء سواء. ويقتضي التواضع أمام عظمة الخالق استيعاب الدرس البليغ من ليلة الرعد، ويدرك الظالم الذي يستقوي بنفوذه ويأكل حقوق الناس بالباطل أنه أوهن من مقاومة صاعقة واحدة، ويستوجب الاستسلام لنواميس الله في الكون حسن الخلق وتجنب الظلم، إذ يقدر من يسبح الرعد بحمده على سلب النعم في طرفة عين، ويتعظ العاقل بغيره ليجعل من الخوف دافعا لمراجعة النفس ورد المظالم، فمن خاف في الدنيا من وعيد السماء أمنه الله يوم الفزع الأكبر، ومن استكبر وعتا تركته الأقدار يواجه مصيره وحيدا وسط العواصف، فلا يغنيه ماله ولا جاهه من الله شيئا.