الأمن يحقق في واقعة تدنيس النصب التذكاري لشارع عبد الرحمان اليوسفي بالبراز    إسبانيا.. الحكومة الإسبانية تعتزم تمديد حالة الطوارئ للمرة السادسة حتى 21 يونيو    هكذا تضامن “تويتر” مع أصحاب البشرة الداكنة بأمريكا    جهة البيضاء - سطات الأكثر تسجيلا للإصابات في آخر 24 ساعة ب16 حالة متبوعةً بالجهة الشمالية ب6 حالات    حقيقة سحب كأس السوبر من الزمالك بسبب قضية الوداد والترجي    أشرف حاكيمي يقود بوروسيا دورتموند للفوز بسداسية    الخميسات.. تسجيل هزة أرضية بقوة 7ر3 درجات    بين الريسوني و"آدم" .. "هيومان رايتس ووتش" تقف على الحياد    كورونا.. 27 إصابة مؤكدة جديدة بالمغرب والعدد الإجمالي يصل إلى 7807 حالة    كورونا: الحالات النشيطة بالجهة 132 منها 93% بطنجة    الولايات المتحدة: اعتقال 1400 شخص منذ بدء الاحتجاجات على مقتل فلويد    حكيمي يسجل في مباراة اكتساح دورتموند لبادربورن في البوندسليغا    بوصوفة أفضل لاعب إفريقي احترف بالدوري البلجيكي الممتاز    "يوتيوب" تطرح تقنية "القفزات" لمشاهدة مقاطع الفيديو الطويلة    هذه توقعات الارصاد الجوية اليوم الاحد بالمغرب    حجز كمية من المخدرات لدى مبحوث عنه بإقليم تازة    بالصور..حريق مهول يلتهم مصنع "الكابلاج" بطنجة    إطلاق عملية استثنائية لإنجاز البطائق الوطنية الإلكترونية    وزارة التعليم تطلق منظومة معلوماتية تمكن التلاميذ من الولوج المجاني لمنصة “التعليم عن بعد”    كورونا بالمغرب: الحصيلة الإجمالية للمتعافين إلى حدود السادسة من مساء اليوم الأحد    لتجاوز تداعيات جائحة كورونا..العثماني يدعو النقابات لتقديم مقترحاتها    بعد إغلاق دام أكثر من شهرين..المسجد النبوي يعيد فتح أبوابه للمصلين    الحياة تعود إلى فاس.. افتتاح أول مطعم والزبناء: كنا محرومين من الوجبات السريعة »    اتحاد التعليم والتكوين الحر بالمغرب يدعو المؤسسات التعليمية الخاصة بالجديدة الى المرونة في الاداء مع الأسر المتضررة    حزب مغربي يقترح إلغاء "عيد الأضحى" بسبب جائحة "كوفيد-19"    سرقة بمئات آلاف الدولارات من منزل الهداف الجزائري رياض محرز    اليوسفي .. وفاء زوجي حتى الممات    سار ..المغرب يسجل إنخفاضا في عدد الإصابات بكورونا وعدد حالات الشفاء يواصل الإرتفاع    اغتصاب طفلة بمراكش    إشارة الضوء الأخضر للبطولة    HSEVEN تبحث عن المقاولات التي ستبتكر إفريقيا الغد    فتح أبواب المسجد الأقصى أمام المصلين بعد سبعين يوما من الإغلاقه    اللجنة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني تثمن عاليا الدعم المغربي لمستشفيات وآهالي القدس الشريف    الأجرومي: الحريات الفردية … العلاقات الجنسية الرضائية نمودجا    دار الشعر بتطوان تنظم ندوة عن مستقبل الجوائز الثقافية في العالم العربي    مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط تحقق رقم معاملات يصل إلى 12270 مليون درهم    الصورة بين المجال الخاص والعام    إقليم الحوز يخلو من فيروس كورونا    المطالبة بكشف حقيقة ما جرى لتذكار صاحب أحاديث فيما جرى    تمديد توقيت اغلاق المحلات التجارية بعد اضافة ساعة على التوقيت الرسمي    البرازيل تغرق … 33 ألف و274 حالة إصابة بكورونا في يوم واحد    كرست حياتها لخدمة الكتاب.. 7 محطات في حياة ماري لويز بلعربي    ترامب يهدد المحتجين ضد العنصرية ب”القوة العسكرية”    خمسة تحديات تواجه عودة النشاط الاقتصادي في ظل جائحة كورونا    تباطؤ أنشطة المصانع بالصين في ماي وسط طلب ضعيف    ميناء طنجة المتوسط في قلب مبادرة عالمية    بيت الشعر في المغرب ينعي عبد الرحمن اليوسفي    هكذا أثرت جائحة كورونا في فقه نوازل الأقليات وعلاقة الغرب بالإسلام    اخنوش بمجلس النواب لاستعراض تداعيات الجفاف وكورونا على القطاع الفلاحي    كاميرا امحيمدات تحول "أزمة كورونا" إلى إبداع    التبديلات الخمسة تضر برشلونة    علم النفس اللغوي والبرهان العقدي للتواصل عند ابن حزم الأندلسي    مَنْطِق بالتَّطْبِيق نَاطِق    المديرية الإقليمية للثقافة بورزازات.. حصيلة إيجابية لمحطات إبداعية عن بعد    مبادئ الديمقراطية وواجب التصدي للهجمة على الاسلام    بلكبير يكتب: القداسة والقذارة أو المقدس والقذر    بعد تضامن المغاربة في أزمة كورونا.. الأوقاف تعلن استعدادها لإنشاء “بيت الزكاة”    المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة يدعو إلى تأجيل الرجوع إلى المساجد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مبدعون في حضرة آبائهم … السي عبد الكبير محقق: الأب العاشق للسينما وأغاني محمد عبد الوهاب

في رسالة كافكا إلى أبيه: « أبي الحبيب.. لقد سألتني مؤخراً: لماذا أزعم أنني أخاف منك؟ وكالعادة لم أدر بماذا أجيبك. تارة بسبب الخوف الذي يعتريني أمامك، وتارة لأن الكثير من التفاصيل متعلقة بحيثيات ذلك الخوف، بحيث لا يكون بوسعي لملمة شتاتها في الحديث معك ولو جزئياً. وإنني إذ أحاول هنا أن أجيبك خطياً، فإن كل ما أقوم به لن يكون سوى محاولة مبتورة، وذلك لأن الخوف وتبعاته يصدانني عنك حتى في الكتابة، ولأن جسامة الموضوع تتعدى نطاق ذاكرتي وإدراكي».
أمام اللجوء أو الهروب إلى الأم الحاضنة والحنونة وملاذ «التواطؤات» الجميلة، كيف يستحضر مبدعونا المغاربة صورة الأب، وهل تختلف نظرتهم إلى هذه السلطة الرمزية التي ارتبطت بالصرامة والتحكم؟ كيف دبروا هذه العلاقة التي تلتبس فيها العواطف بين خوف واحترام، بين حب أو كره، بين تقديس وقتل؟

تبدو صورة الأب رائعة جدا، وهي تتراءى في مرايا الطفولة واليفاعة. فالأب هو تلك الشجرة الوارفة الظلال التي يحتمي به الابن من عوادي الزمن،في حين تظل الأم تلك الشجرة الحنون التي يحتمي بها الابن في الغالب من غضب الأب عليه، وذلك حين يفعل شيئا لا يرضى عنه ذلك الأب نفسه.
بالنسبة لي كانت علاقتي بأبي علاقة متينة . لقد حوّل هو تلك العلاقة من علاقة الأبوة والبنوة إلى علاقة الصداقة القوية .كنت ابنه البكر بعد مجيئ ثلاث بنات قبلي. هكذا اتخذ مني صديقا صغيرا له. يحدثني عن الأفلام السينمائية التي كان يراها باستمرار كل يوم سبت، ويحكي لي حكاياتها ويعرفني على أبطالها وبطلاتها. كما بدأ يأخذني معه لمشاهدة البعض منها حين بلغت سن السابعة . وفي مقدمة تلك الأفلام السينمائية كانت أفلام شارلي شابلن تحتل الصدارة. كما كان يشتري لي القصص القصيرة الخاصة بالأطفال، بدءا من القصص المقتبسة عن حكايات «ألف ليلة وليلة» وليس انتهاء بتلك القصص المقتبسة عن روايات عالمية شهيرة. هكذا أصبحت ولوعا بشكل كبير بكلّ من قراءة الروايات ومشاهدة الأفلام السينمائية.
في المنزل كانت علاقتي به قوية جدا فقد كان لا ينام إلا بعد أن يحكي لي إحدى الحكايات ، وكنت بدوري أحكي له ما قمت به من أعمال سواء في المدرسة أو في المنزل . وحين مرضتُ ذات صيف بالحمى، وأنا بعد يافع، إثر عودتي من سفر قامت به الأسرة إلى البادية في العطلة الصيفية ، كان حين يعود من عمله في الميناء يجلس طويلا بالقرب مني ويسأل أمي عني بشكل دقيق،حتى تنصحه هي التي كانت مداومة على العناية بي والحرص على تناولي الدواء الذي قرره لي الطبيب، بالذهاب إلى النوم، لأن العمل ينتظره صباح الغد.
في فترة مرضي هاته اكتشفت حبه الكبير لي، وخوفه الشديد من فقداني. أما أمي فقد كانت تجلس طيلة النهار بالقرب مني حتى شفيت تماما، وعدتُ كما كنت في كامل عنفواني الطفولي.
في العديد من المرات كنت أذهب معه إلى السوق الأسبوعي الذي كان وما يزال يقام إلى اليوم كل يوم أربعاء ، ويذهب إليه كل أهل «حي سباتة» والأحياء الأخرى القريبة منه . كان يعجبه أن يشتري منه الأشياء القديمة حتى لا أقول بعض التحف التي تبدو له جميلة ونادرة ، ويحرص على وضعها في مكتبته الصغيرة التي كانت موجودة في الطابق الأعلى من البيت . هذه المكتبة التي كانت تضم بين دفاتها مجموعة من كتب التراث مثل «مقامات الهمذاني» و«مقامات الحريري» وكتب السير الشعبية مثل سيرة «سيف بن ذي يزن» وسيرة «عنترة بن شداد» وسيرة «الأميرة ذات الهمة» ، وكتب عربية حديثة مثل كتب كل من طه حسين وتوفيق الحكيم وعباس محمود العقاد وبعض من روايات نجيب محفوظ التي كانت صادرة في ذلك الوقت وسواها . كما كانت تضم من بين ما تضم من كتب، نسخة رائعة كبيرة الحجم من كتاب «ألف ليلة وليلة»، وهي النسخة التي أورثني إياها حين توفي رحمة لله عليه. كما كانت توجد بهذه المكتبة كتب أخرى باللغة الفرنسية ،في مقدمتها روايات الشاعر الفرنسي فكتور هوغو مثل «البؤساء» و«عمال البحر» و«أحدب نوتردام» وروايات الكاتب ألكسندر دوما مثل «الفرسان الثلاثة» و«بعد عشرين عاما» و«الكونت دي مونت كريستو» وغيرها .
كان حين يعود من عمله يحرص على الاستماع إلى أغاني الموسيقار محمد عبد الوهاب التي كان يكاد يحفظها عن ظهر قلب ، ويدعوني للاستماع إليها حتى أصبحتُ عاشقا لها ، كما كان يستمع إلى أغاني الموسيقار الآخر فريد الأطرش ويشيد بإتقانه الشديد لفن العزف على العود ، وكان مولعا بأغاني فرنسية عديدة مثل أغاني كل من ليو فيري وجاك بريل، وكانا لحظتها مثله في ريعان شبابهما.
عرفتُ معه لحظات كبيرة موغلة في السعادة وظلت صورته البهية حاضرة في وجداني لاسيما وأنه قد توفي وهو في كامل رجولته لا يتجاوزه عمره الثامنة والأربعين ،وأنا لحظتها في مقتبل الشباب الأول.
كان حريصا على أداء الصلاة ،وكان سمحا في التعامل مع أبنائه وكان محبوبا من لدن أهل حيه وزملائه في العمل فضلا عن أصدقائه .
وكثيرا ما أستحضر صورته الآن وهو في كامل ابتسامته ، تلك الابتسامة التي كانت تضيء وجهه باستمرار،وظلت ملازمة له طيلة حياته.كثيرا ما أستحضر صورته وهو يدعوني لمرافقته إلى السينما أو للذهاب عند أصدقائه أو حين يأخذني كي يشتري لي ما أحتاجه من كتب .
كان يناديه أصدقاؤه بلقب «الرجل الذهبي»، لأنه كان يمتلك حسب معاشرته لهم قلبا من ذهب ، كما كان يتميز بأناقته، وحرصه الشديد عليها. وكنت أسميه بيني وبين نفسي بالأب الرائع.
كان رائعا في معاملته لنا ، كما كان رائعا في صنع الحلويات. هو الذي اشتغل في لحظة من لحظات شبابه الأول صانعا لها قبل أن يلتحق بالاشتغال بعد ذلك في الميناء بذات المدينة التي أحبها بكل جوارحه ، مدينة الدار البيضاء.
لقد كان ولوعا بالبحر مثل السندباد البحري تماما. وكان أشد ما يعجبه من الحلويات ،حلوى «ألف ورقة» (Mille-feuille). وربما لهذا جاء أبناؤه عاشقين لقراءة الأوراق والكتابة عليها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.